إعادة تدوير التوالف.. تحويل القباحة الى جمال

طرطوس/روسيل

“الأرض كالمرأة الحنون وحدها تمسح عرقك تتلقفك حين تكون متعباً والأرض وحدها لا تغدر ولا تخون”

بهذه الكلمات افتتح سليمان خضر (من أهالي مدينة طرطوس) حديثه عن علاقته مع حديقته، التي أقامها على مساحة من الأرض، مجاورة لمنزله، لم تكن ملكاً له، لكن الشغف الذي يحكم علاقته بالأرض والورود والجمال بصورة عامة دفعه إلى تجميع الورود والأشجار في أصص، أمام منزله، بانتظار أن يتاح له شراؤها.

يقول “كانت الأرض المجاورة لمنزلي ركاماً ومكباً لكثير من التوالف، وكنت أحلم بتحويلها إلى حديقة، أمارس فيها عشقي للأرض وللشجر، وبعد زمن طويل من جمع الورود والأشجار في أصص أمام المنزل، تمكنت من شرائها وزراعة كل ما لدي فيها “.
ويضيف “في اليوم الذي اشتريت فيه هذه الحديقة لم أنم، بقيت طيلة الليل أعمل على تنظيفها وإعادة هندستها، لتحويلها إلى مكان جميل كالذي ترونه، لا استطيع أن أرى وردة مهملة أو ملقاة في الشوارع، إلا وآخذها معي، أشعر بالمسؤولية نحوها كما لو كانت طفلاً ملقى في الشارع”.

المهندسة المعمارية سلوى ذات الاهتمام بالعمارة البديلة وإعادة تدوير التوالف، لإنتاج نماذج معمارية جديدة حدثتنا عن هذه الظاهرة “إن فكرة تحويل التوالف المرمية كالزجاج والبلاستيك والإطارات، لتصبح فكرة معمارية أو ديكور هي غاية الإبداع، وقد ظهر هذا الأمر في بعض المجتمعات الفقيرة، التي كانت فيها التوالف هي شرارة الانطلاق نحو أعمال فنية وتحف معمارية، مثل مصر وبعض دول أمريكا الوسطى “.
عن موهبته وشغفه بإعادة تدوير التوالف واستعمالها في تصميم حديقته حدثنا سليمان ” الكثير مما تشاهدونه هو ورود تخلص منها أصحابها أو وجدتها مرمية في مكبات المهملات، والكثير من تفاصيل الحديقة هي توالف أعدت تجميعها، منذ فترة وجدت غسالة نصف آلية ملقاة على جانب احد الشوارع، فأخذتها، وحفرت لها مكاناً، زرعتها فيه ثم أكملت تحويلها إلى طاولة باستعمال قرص مستهلك لقص الحجارة وفي منتصف القرص (الطاولة)، تركت وردة يوغا تنمو لتبدو الطاولة، كأنها تتوضّع حول الوردة”.

في مكان آخر من الحديقة، وجدنا طاولة أخرى، عبارة عن دولاب عربة بائع جوال يحمل فوقه قرصاً مستهلكا لقص الحجر.
وفي زاوية أخرى كان هناك دولاب عربة (طنبر)، يتوضع فوقه حجر بازلتي منحوت على شكل دولاب ، وعلى مقربة منها طاولة مصممة من قرص لقص الحجر محمولاً على (جنط دولاب سيارة) و (مقصات محور شاحنة)”.
يكمل سليمان حديثه عن شغفه بالورود “لدي شغف بوردة (السيكا)، وهي تشبه الأنثى، كل عام ينمو على ساقها غصن جديد أو غصنين متقابلين، كما لو كانت تنجب طفلاً أو توأماً، كما لدي شغف بوردة (اليوغا)، منذ فترة شاهدت بعض ورود اليوغا مرمية في مكب مهملات، فحملتها في سيارتي، وأتيت بها إلى الحديقة، والآن أصبح لدي عائلة كبيرة من اليوغا، بصراحة علاقتي مع هذه الورود والأشجار ليست علاقة مزارع مع مزروعاته، أنا اشعر بها، وأظن أنها تشعر بي، وعندما تصادفني أي مشكلة في الحياة أو العائلة أو المجتمع ألجأ إلى هذا المكان وأحصل على الراحة التي احتاجها”.
حول كفاءة استخدام مخلفات الإنسان تضيف م.سلوى “إن العقل الذي استخدم مخلفات الطبيعة لبناء المعالم التاريخية، هو نفس العقل الذي استخدم مخلفات الإنسان وأعاد تدويرها ليخرجها بتلك الصورة المبدعة، حتى أصبحنا نشاهد أعمال معمارية، غاية في الغرابة والتعقيد، مصنوعة من خردة حديد، وأثاث مبهر من مواد رخيصة نسبياً تتميز بالمتانة والجمال والغرابة”.

وحول دور ذلك في الواقع السوري تضيف م.سلوى ” في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة، والخراب الواسع الذي سبّبته الحرب وفي ظل الحصار الخارجي، يبدو من الأفضل لنا، نحن السوريين، أن نستفيد من ثقافة إعادة تدوير التوالف، واستعمالها في البناء وفي ترميم الأبنية، وعلى المدى الطويل سيكون أمراً عظيماً أن تتبنّى جهات رسمية، وغير حكومية هذه الثقافة، وتعمل على نشرها، وتساعد المجتمع على تقبّلها، لدينا الكثير من المواد التالفة، التي يمكن استعمالها لإعادة بناء ديكوراتنا وأحيائنا”.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.