يوم ارتقى الشهداء.. الحياة بين إغماضة وأخرى

نجوى صليبه:

في اللحظة التي بشرها الطبيب بحملها رغبت بالتخلص منه، لكنها لم تنجح بذلك، واستمر الجنين محاطاً بالدفء والحب والحنان إلى أن كان ربيع عام 1992، وكانت لحظة انفصاله عن هذه الحياة الرغيدة ولحظة الشهقة الأولى للحياة..
تتذكر أمه إلى اليوم أنها لاحظت حينها حزناً قديماً في عينيه.. وتتذكر أنه أغمضهما وحدقت بهما.. حدقت بهما كما تحدق اليوم بصورته هو ورفاقه الأحد عشر والبنادق مصوبة إلى رؤوسهم.. أما بنيان فقد أغمض عينيه اليوم كما في الماضي، وكأنه يريد الرحيل بلحظة سكينة واحدة فقط بعد شهور من الحصار والجوع والقوة والتضحية..
تقول الروائية سهيلة العجي والدة الشهيد بنيان ونوس: بعد ما يقرب من مئتين وستين يوماً في رحلة مع الموت مجهول الهوية.. أهي النهاية أم البداية؟ صراع مع الجوع والعطش.. مع الشوق والفراق، مع لعبة عض الأصابع المضنية.. شعرهم متساقط، لحاهم بيضاء، وجوههم ناحلة لباسهم متهتك، عيونهم غائرة، وأظفارهم طويلة، ولم ينم هؤلاء لحظةً واحدة..
كلنا كنا مع الحدث أطفالاً وشباباً وشيوخاً، أرامل وعازبين ومتزوجين، قلوبنا كانت تلهف لكلّ خبر يأتي من هناك من المجهول المعلوم.. كلنا سمع هدير الشاحنة المحملة بالمتفجرات، وسمعنا الرصاص المصوب نحوها.. كلنا كنا أهل بنيان وأصدقائه، لكنّا لم نكن.. فأمه هي التي كانت تحدثه كلما يتسنى لهما ذلك، وتعيش تفاصيل وجعه اليومي، تحدث رفقاءه، وتستمد منهم الفرح والقوة والأمل، وتجترع خوفاً آخر، تقول العجي: كان بنيان جالساً على الأرض في العتمة، وبالكاد تلمست صورته قال ورأسه بين قدميه: للأسف يا أمي هذا لم يكن كابوساً، إنه حقيقة ساطعة ولكننا لشدة ما تعودّنا على الكذب والنفاق وتغطية الأوساخ بأردية زاهية سوف يرعبنا بالتأكيد أن نرى كل هذه القذارة تحيط بنا من كل الجهات حتى تكاد تلتهمنا.. ثمّ يقف ويمشي خارجاً من الباب..
تستعيد الأم المحزونة محطات أخرى من حياة ابنها الشهيد، فتقول: لم تكن الأكاديمية حلمه لكنه أحبّها، ولم تكن الحرب غايته لكنه برع فيها.. لقد اختار بنيان الالتحاق برحلة العذاب في مستشفى الكندي بحلب، ولم يرض أنصاف الحلول.. اختار أن يكون في قلب المعركة، إما مختالاً على حصان النصر، أو عريساً في زفة شهيد.. وتمرُّ رحلة العمر سريعاً في ذهنها، فتتذكر رجلاً يقرأ الطالع، ويتحدث عن الغيبيات مرّ بحيهم، وقال لها آنذاك: لديك ابن سيسمع به الشرق والغرب، وسيكون لغزاً، وسيفتح الأبواب المغلقة، وسيتداول الناسُ قصته إنكم ستعرفون متأخرين، وهي تردف القول: إنه بنيان الذي يتفكر في أمره الجميع من لحظة إغماضة عينيه في لقطة مهيبة ومشاهد مقدسة مع رفاقه تحكي قصة حصار الشهور الطويلة وترسم تسليماً لقدر شارك في رسمه وأدرك صوابيته؛ فآمن به واختار ختامه..
ومن زفرات ابنها على الهاتف، ومن التفاصيل اليومية التي كان يرويها عن أدق خصائص الحياة ورحلة العذاب البطيئة، تروي أم الشهيد معاناة أبطال حامية الكندي فتقول: يوم أكمل شباب حامية الكندي ثمانية أشهر من الحصار كانوا قد نسوا طعم الطعام، ولم تعد تمتلك بطونهم المتضورة زفيراً للصفير، وبدت مخالب الجوع واضحة على مونولوجيا الوجوه وبيولوجيا البطون.. إلى قولها: عندما أطبق الخناق، وكان الشهداء يتساقطون، والجرحى يتلوون؛ لم تكن المشكلة يومها في الشهداء؛ فقد كان سقف الحكاية أن يُصلى على جثامينهم، فيرقدون في حفرةٍ وسط تحسر البقية بمن فيهم الجرحى الذين تتسمم جراحهم أو تتعفن أطرافهم.
أي قلب تملك أم الشهيد حتى تروي رحلة ابنها مراراً وتكراراً، وتعيش ألم الحزن والفقد والشوق والحنين في كل مرّة، بل وتعيد حياكتها بفلسفتها الخاصة وبطريقتها المتميزة وتنسجها مع خيوط أخرى، تقول: أنا سعيدة باستشهاد ابني وأقرّ أنه كان في المكان المناسب، وذهب إلى المكان الصحيح، وضحّى في سبيل قضية أكثر من عادلة.. إلى قولها: كنت أسمع أسماءهم أسماء أحد عشر كوكباً نذروا ما بأفلاكهم من أجسادهم وساعاتهم وريعان أحلامهم وأدعية أمهاتهم وذكريات شبت على أرض كريمة؛ فاسترخصوا نذرهم لها كرماً مضاعفاً لما بذرت فيهم من كرم حتى ملكت فيهم كرامة بعد كرامة، ودامت بهبات أرواحهم عرشاً للشموس.
أحد عشر كوكباً من مدن سورية عدة، لكن أم الشهيد لم تجد بينهم اختلافاً في قتالهم، ولا في حصارهم، ولا في استشهادهم، ولا في روايتها إن تتذكر أحاديثهم المسجلة على «جوال» بنيان؛ تحفظ نظراتهم وحركاتهم وتحركاتهم وعاداتهم وما يشتهون.. تنتقل بين رسائل بنيان، وتردد عبارته الأكثر رسوخاً: «أصبح لحياتي معنى، ولمماتي ألف معنى!».
يذكر أنّ «يوم ارتقى الشهداء» رواية صادرة عن الهيئة العامة السورية للكتاب 2020 مدونة الحرب.

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.