جريدة الكترونية

حدائق درعا العامة تتحول إلى مقاهٍ ومطاعم خاصة سياحية لا تسمح للفقراء بالاقتراب

لا يختلف اثنان على أن الحدائق أخذت صفة النفع العام ضمن المخططات التنظيمية لتكون متنفسات ورئات تخدم عامة الناس وسط المدن التي تزاحمت فيها الكتل الإسمنتية والفعاليات الصناعية والتجارية الكثيرة وغصت بالسيارات، لكن أن تنقلب هذه القاعدة وتصبح استثناء فهذا غير معقول أبداً، إذ إن حدائق مدينة درعا خلعت عباءة العام وأخذت تكتسي زياً خاصاً عبر استثمارات طالت أغلبها وحوّلتها إلى مقاه للأراكيل والمطاعم وصالات الأفراح وغيرها مانعةً الفقراء من دخولها.
والحدائق المستثمرة ماثلة للعيان وفي أكثر الأحياء اكتظاظاً بالسكان, ولاسيما حي السبيل الذي حوّلت أربع حدائق فيه للاستثمار الخاص خلال السنوات السابقة وهي حديقة تشرين (البركة) والحديقة المثلثية (الديوان الملكي) وحديقة باب الحارة وحديقة السبيل وكذلك الأمر في حي الكاشف, حيث استثمرت فيه كل من الحديقة البيئية (صبح ومسا) وحديقة الأمويين وهذا الاستثمار حرم الأهالي من دخول أغلب تلك الحدائق لكون الأغلبية منهم لا يملكون القدرة على دفع أي نفقات في ظل الظروف المعيشية الصعبة حالياً، ولن يفوتنا الحديث عن حديقة حي المطار التي تعد خارج الخدمة لتحويلها إلى مرآب لآليات مجلس مدينة درعا.
الأمر لم يقف عند هذا الحد إذ إن مجلس مدينة درعا طرح مؤخراً حديقة البانوراما أيضاً للاستثمار وما أدراك ما حديقة البانوراما؟؟ إنها تكاد تكون المتنفس الوحيد لأهالي وسكان مدينة درعا وتشهد في فصل الصيف حركة تنزه نشطة جداً، وأشار عدد من الناس إلى أن حديقة البانوراما هي بمنزلة نادٍ رياضي حيث يذهب الكثيرون للجري والمشي حولها في ساعات الصباح الباكر أو عند المساء وغدت ملتقى للأصدقاء حيث تجد في أحد جنباتها مجموعة من المهندسين وفي أخرى مدرسين وأطباء أو خليطاً منهم ومن غيرهم, إضافة إلى توافد أسر بأكملها وبكثافة لتجلس على المرج في ساحات الحديقة هرباً من الشقق السكنية الضيقة والمحشوة بالسكان التي لا مجال فيها لاستقبال أحد، دفتر الشروط الفنية الخاصة باستثمار الحديقة تضمن أن مكان الاستثمار هو كامل ساحة البانوراما والجزر المحيطة ويشمل وضع اثنين من الأكشاك قابلة للإزالة يقدم فيها المستثمر الوجبات السريعة والمشروبات الباردة والساخنة والأراكيل وكل ما يخدم الزوار ولا يخالف الآداب العامة ويتعهد المستثمر بوضع لافتة تتضمن اسم الساحة والدخول والخروج والجلوس في ساحة البانوراما مجاناً وحماية ورعاية وزراعة البانوراما والحفاظ عليها, كما تم استلامها على أن تكون مدة الاستثمار 3 سنوات ويحدد بدل الاستثمار عن طريق المزاد إلى غير ذلك من الشروط، ويلاحظ من الشروط أن الموقع كاملاً سيسلم للمستثمر وهو مسؤول عنه بجميع أجزائه، وهنا السؤال الذي يطرح نفسه بقوة, كيف سيأخذ الزوار راحتهم وهناك من يتحكم بهم ويحدد لهم كل شيء؟ كما يلاحظ أن كلمة مجاناً جاءت حشواً وغير مقنعة وسط كل الشروط التي تسلم إدارة الموقع وجميع جزره وساحته للمستثمر، ولا شك في أن الوضع سيكون منفراً للمواطنين وسيبدد المنفعة العامة من هذا المتنفس الحيوي في المدينة.
باستفسار من رئيس مجلس مدينة درعا- المهندس أمين العمري عن الموضوع أكد أن الدخول مجاناً لكافة المواطنين لأي مكان يريدون الجلوس فيه وليس هناك أي مانع، لافتاً إلى أن الغاية من استثمار الحديقة هي إقامة كشك قابل للإزالة بأبعاد 3×3 عدد اثنين من أجل تخديم الزوار ويقع على عاتق المستثمر نظافة الحديقة كاملة مع التعشيب والسقاية وكل ما يلزم.
يفهم مما سبق أن الهدف رفع عبء تخديم الحديقة عن مجلس المدينة وتحقيق إيرادات مالية تدعمه، ويرى متابعون أن هذا الهدف يمكن تحقيقة بطريقة أخرى حيث لا تُسلم الحديقة كاملة وتنزع عنها صفة العام وتلبسها صفة الخاص وهذه الطريقة تتم من خلال إقامة مجلس المدينة أكشاكاً بعدد مناسب وقد يكون أكثر من 5 ويطرحها من دون الساحة والجزر للاستثمار ومن عوائدها يمكن تحقيق إيرادات تنفق على تخديم الموقع لجهة النظافة والغطاء النباتي وغيرهما، وهنا تبقى البانوراما متنفساً لعامة الناس بلا منغصات وتُرفع عن مجلس المدينة الأعباء المادية الناتجة عن التخديم.

بانوراما سوريا – تشرين

قد يعجبك ايضا
Loading...