جريدة الكترونية

الإعلام السوري و حقائق ” دود الخلّ”.. فلنحذر محرقة الأنصاف الفارغة من الكؤوس..

لا يبدو مصطلح “الإعلام الرّصين” إملاء مهني فانتازي، بل هو قوام أداء على مستوى الشكل والمضمون، ثمة ما يحتّم ألّا يكون بعيداً عن متناول الأقلام العاملة في هذا “الكار” بالغ الأهميّة والتأثير في حياة المجتمعات والشعوب..تحت طائلة الفشل الذريع والوقوع في أبغض الاحتمالات.
فالرّصانة في المفهوم العام تعني التوازن والمصداقية والدقّة في الموقف والطرح.. وليس أجدر بهذه الصفات من الإعلام كبنية فوقيّة في المجتمعات، بما أنه حامل أساس لعدّة وظائف تتصل بصلب الحالة العامّة وعلى مختلف المسارات، وفي اتجاهات ذاهبة وراجعة..وهنا مكمن الخصوصيّة التي يتسم بها الفعل الإعلامي أو المضمار الإعلامي كقطاع.
إنها حقائق وثوابت مهنيّة لا تسامح من يتجاهلها، وربما “تعاقبه” بردّ وارتداد الرسالة إليه..وهذا أخطر الاحتمالات التي قد يقع فيها الإعلام، إذ يكون قد خسر حينها المتلقّي الذي تصنّفه الأدبيات المهنيّة بأنه ” الملك” كهدف ومحور أي رسالة إعلامية مهما اختلفت الوسيلة.
لقد غرقت بعض أقلام المشهد الإعلامي السوري، في غواية الاستعراض اللفظي و تدبيج النصوص السرديّة، في تناول الظواهر وحتى المعطيات موضوع السّرد، ومع التكرار والتواتر ظهرت هذه الرسائل مقصودة لذاتها، وتم اكتشاف ذلك على مستويين الأول مصدر المعلومة ” فرد – مؤسسة” ..والثاني المتلقّي الذي يتحرك ذهنه عفوياً في التحرّي عن الحقيقة، بحكم دافع المعرفة – وهو دافع غريزي – لتكون المشكلة الكبرى التي وقع فيها الكاتب و أوقع وسيلته أيضاً، هي استنتاج هذا المتلقّي أو مقصد الرسالة ، حجم الخطأ أو قلّة الاكتراث بمعياري الدقّة والمصداقية، وهي ما يعني قلّة اكتراث بالقارئ فتكون القطيعة الكبرى مع الوسيلة..
هذا يعني أن الخسارة هائلة في الاتجاهين المادي والمعنوي..أي إنفاق مادّي مالي لصناعة رسالة غير نافذة ترتدّ مباشرة على الكاتب والوسيلة والناشر، لأن الإعلام عموماً والصحافة خصوصاً، تهدف في المقام الأول لإخبار الناس بما يدور حولهم، وهذه الأخبار والرؤى التي تنقلها لمحيطها يترتب عليها أشياء كثيرة، قد يساهم النقل المشوّه للمعلومات أو الأخبار في تعريض مجتمع أو محيط الوسيلة الإعلامية لكوارث مدمّرة، في حال التركيز على السلبيات غير الموثقة والنأي عن الإيجابيات عندما تكون حقائق راسخة.
هي مشكلة كبرى في الواقع تعانيها بعض الأقلام وبعض الوسائل في المضمار الإعلامي المحلّي، التي ركّزت على الأنصاف الفارغة من الكؤوس و أسهبت في تطبيقات القاعدة الصحفيّة القديمة التي ارتأت أن الخبر يكمن في المعطيات غير التقليدية ” أن يعض رجل ما كلباً لا أن يعض الكلب رجلاً”..لكنّها باتت قاعدة في ظل التدفق الهائل للمعطيات.
يبدو ذلك جلياً في مقاربة بعضهم لأداء مؤسسات الدولة وليس فقط الحكومة، إلا أن الأخيرة كانت صاحبة النصيب الأكبر من تطبيقات ” المثال البائد” ..فجرى التغاضي عن كل الإيجابيّات في سياق الحالة السوريّة المحليّة بكل خصوصيتها الظرفيّة الراهنة، لصالح التركيز على السلبيّات..والأخطر أن الأمور اتخذت بعداً ارتجالياً، في بناء نصوص الانتقاد للدولة والحكومة، بشكل بدا هادفاً إلى الانتقاص من هيبة الدولة، عبر تجاهل كل الملامح الإيجابيّة بالعموم..ولو بعفوية فلا فرق في النتيجة ” عندما يكون القتل قصداً أم خطأً”.
لقد تأثّرت بعض الأقلام في الداخل السوري، وبالتالي بعض الوسائل بأداء ” السوشال ميديا” المعروف بأنه أداء غير مسؤول، ومتفلّت من أية مساءلة قانونيّة وحتى أخلاقيّة..وبدا واضحاً أن بعض الكتاب الصحفيين باتوا ينسجون نصوصهم المعدّة للنشر في الصحيفة، على شكل ” بوست فيسبوكي” لحصاد أكبر عدد من شارات الإعجاب..أي تماهوا مع الحالة الفيسبوكيّة في عملهم المهني..على عدّة مستويات أولها زاوية الرؤية لقضايا أساسية ومصيريّة في بلدهم..والثانية طريقة الطرح ومقاربة الوقائع بطريقة ساخرة للتقليل من جهد دولة أو حكومة أو مؤسسة..والثالثة تجاهل خصوصيات الظرف و “التّصيّد” في البيئة الخطأ أو على الأقل غير المناسبة لا زمانياً ولا مكانياً..هذه الأشياء الثلاثة هي “مقتل الصحفي والوسيلة” لأنها تنفي عنهما صفة الحيادية والموضوعية المطلوبة بإلحاح في بناء المادة الصحفيّة أو الإعلامية عموماً.
من هنا نبدو أمام حتميّة إعادة النظر بـ “تكنيك” الأداء الإعلامي..ومحاولة لملمة أطراف الثقة المُهدّدة بارتجالات بعض الإعلاميين غير الاحترافيين – رغم ادعاءهم الاحتراف – و ترسيخ دور وطني أكثر عمقاً للإعلام، خصوصاً في هذه المرحلة الحسّاسة التي تمرّ بها سورية..والأهم محاولة ضخّ الطاقات الإيجابية في الشارع وفي أروقة المؤسسات، لأننا أحوج ما نكون إليها جميعاً، ولدينا الكثير والكثير من المسائل المضيئة التي تستحق الالتقاط الموضوعي من قبل الأقلام الوطنية الراغبة فعلاً بتحقيق مساهمات إيجابية في هذا الزمن الصعب والظرف العصيب..والأقلام الوطنية تحتاج إلى أذهان وطنية مسكونة بالهم الوطني.

بانوراما طرطوس

قد يعجبك ايضا
Loading...