جريدة الكترونية

رواية (ظلالٌ هارِبة ) الجزء الأول – الكاتبة الأديبة فاطمة صالح صالح- المريقب

كان ياما كان..

هناك طفلةٌ عبَرتِ المحيط الأطلسيّ، والبحر الأبيض المتوسط، وسبحتْ في خضمّ عميقٍ، مظلمٍ، عدةَ أشهر، دون أن ترى الماء، ودون أن تتبادل أية كلمةٍ، بأية لغة، مع أسرتها الصغيرة، طوال ذلك الوقت..

عندما أخرجتها ( أم علي ) التي ستصبح جدّتها فيما بعد، من تلك المجاهل، وَعت نفسها في عالمٍ يغمره النور، لدرجة أنها صرَخت عدةَ صرخات، عندما بَهَرت عينيها الصغيرتين، أنوارٌ لم تعهدها من قبل، ومحيطٌ غريبٌ عن عالمها الهادئ الهانئ. رأت ذاتها بين أشكالٍ ستدركُ فيما بعد، أنهم بشر مثلها. بل، إنهم أقاربها الذين سيصبحون أهلها، وستعيش بينهم ومعهم حياةً ستدركُ لاحقاً، أنها حياةٌ حافلةٌ بالنشاط، والجهد، والتعاون، والتكامل. وستشعر بينهم بطعم الحياة بكلّ أبعادها..

وأنها رضعت من صدرِأمها، التي احتضنتها في طفولتها، وشبابها الأول، حوالي عامٍ وشهر. وأنها أحَبّتها حبّ ابنةٍ لأمها، ثمّ كصديقة أيضاً..

هذه الطفلة، تجاوزت الآن عامَها الخامس والستين، وسبعة أشهر. مازال لديها الكثيرُ من الحكايا، والذكريات، لا تستطيع كبحَ جماحِ رغبتها في أن تقصّها عليكم..

لا بدّ من تفريغِ بعضٍ من ضغط الذاكرة.. ورسم صورٍ للكثير من مخزونها، وصبّها بين طيات كتاب، تأملُ أن يقرأها أكبر عدد من الناس، من مختلف الأعمار والأنواع.. وقد يتنوّع السردُ، متنقّلاً بين الواقع والخيال، علّ اللوحةَ تكون مشوّقةً، وممتعة.!

__________________________________________________

 إلى متى أؤجل تدوين ماتحتويه  ذاكرتي من أحداث، وخيالات، وأفكار.؟؟ فربما جاء طائر الغياب وحملني على جناحيه الأبيضين، وأنا مازلت أسوّف، فلا ينفعني، بعدها، الأسف.. أتساءل، أحيانا، ماذا يعني هذا التدوين، لكنني، كما أسلفت، في كتابة أخرى، لا أستطيع سوى أن أكتب، وأنا متاكدة أنني  لا أفعل ذلك دون غاية…

   ألِج الى تلك الأعماق المخزنة  وأرى ذاتي  الحقيقية، وأتقصى ماتجود به ذاكرتي الشخصية، وذاكرتي الإنسانية العامة الشاملة ( الجمعية )..  سأحاول استثمار الزمن، وما بقي لي من قدرة على التذكر، والغوص في أعماقي، لاستخراج ما تحثني ذاتي المبدعة على استخراجه، ففي ذلك متعة لي، وواجب علي، كإنسانة مرت في مرحلة من مراحل الحياة، هذه التي ندعوها (الدنيا)، وعلي أن أسجل تجربتي فيها، لعل هناك من يستفيد من خبراتي، ويفيد بها..

__________________________________________________  

إلى أين ستأخذني الذاكرة..؟! سأبحِرُ معكِ أينما شِئتِ، يا زوّادَتي، ومُلهِمَتي العزيزة.. سأستسلِمُ لإرادَتِكِ، راضيَةً، واثِقَة.. كأنني أجلسُ في حضنِ أمي.. بل، أمّ، أمّ، أمّ ……. إلى أن تصِلي بي إلى أعْرَقِ  أمّهاتِنا، وأعمَقِهِنَّ، في قاعِكِ المُكتنِزِ الحُضورِ، كثَدْيِ أمٍّ رؤوم.. تُرضِعُ أبناءَها حتى الإكتفاءِ، أو حتى الإغفاء..

قريتي.. المْرَيْقِب 

 على قِمّةِ الجبلِ الذي سُمّيَ باسمِها.. جَلَسْتُ أتأمّل..

كانت بيوتُها تتناثَرُ ، تارةً، على التلال المُحيطةِ بها، أو تنخفضُ قليلاً، لتُجاوِرَ وِديانَها الثلاث.. جِهَةَ الشِّمالِ، والجنوبِ، والشرق.. نحْوَ (المْسيل) الذي تسيلُ فيهِ المياهُ شِتاءً، لتُشكّلَ نهراً صغيراً، ضاجّاً، صاخِباً، تهدرُ فيهِ المياهُ في موسِمِ المَطَرِ الغزير.. وتُسَقسِقُ، سابِحَةً فوقَ البلاطِ الأبيضِ، الذي تنعكِسُ فيهِ أشِعّةُ الشّمْسِ، حينَ تظهَرُ من خلالِ الغيوم.. كما تترَقرَقُ تلكَ المياهُ، مُنسابَةً بينَ الصّخورِ الكبيرةِ، والصغيرة، حينَ يهدأ المَطَرُ، أو تخفّ نسبَةُ هُطولِه..

يبدأ ذلكَ السَّيلُ جَرَيانَهُ مع القرية من جهةِ الشِّمال.. مُنساباً من تحتِ قِمّةِ الجَبَلِ بعَشراتِ الأمتار.. ليَعْبرَ الطريقَ العامّةَ التي تصِلُ القريةَ (بالشيخ بدر) مَركز المنطقة.. وقد بُنيَ جِسْرٌ صغيرٌ في ذلكَ المَعْبَر، يسمَحُ بمُرورِ المياهِ تحتَ الطريقِ الإسفلتيّ، عابراً أسطوانتينِ منَ الإسمنت.. كثيراً ما تفيضُ المياهُ فوقَهُما في مواسِمِ الهَطْلِ الغزيرةِ جداً.. يتّصِلُ ذلكَ السَّيْلُ بمَحَطّةٍ تقعُ في أسفَلِ السّفحِ الذي تترَبّعُ عليهِ (المْرَيقِب) القديمة، في مَعْبَرٍ آخرَ يُسَمّى (المْغَيْسِل)، ليَصِلَ بَعدَهُ إلى (الغَبّيط) الذي يسبَحُ فيهِ الرُّعاة.. وما يزالُ الناسُ يتحَدّثونَ عن ذلكَ الشّابِّ،وَحيدَ أمّه، الذي غَرِقَ فيهِ منذُ عَشراتِ السّنين.. وبَكَتْهُ أمُّهُ حتى نَضَحَ الحَجَرُ دَماً، وهي تقول لجارتها التي تواسيها، قائلة: (سلامة راسك يا أم يوسف ).. فأجابتها– وكأنّها لا ترَى أيَّةَ كَلمةٍ قادرَةً على تعزيَتها-: (ولِكْ ألله يكسُر راسى وراسِك)..!!

يَنحَدِرُ ذلكَ (المْسيل) عابراً الصخور، والمَفازاتِ، حتى يَتّصِلَ بالنهرِ القادِمِ من يَنابيعِ جبال (وادي العيون) المُتَعَدّدَة، والغزيرة.. التي تتجَمّعُ، صيفاً، وشِتاءً، لتُشَكِّلَ (نهر البَلّوطَة) الذي يتّجِهُ من الشرقِ، إلى الغربِ، ليَصبّ في (البحرِ الأبيضِ المُتوَسّط) شِمالَ مَدينة (طرطوس)..

عِدّةُ طُرقاتٍ كانت تتخَلّلُ قريتي.. أهمها (الزاروب) وهوَ الشارِعُ الرّئيسيُّ فيها.. لم يكنُ عَرضُهُ يتجاوَزُ الأربعةَ أمتار.. تتوَزّعُ حَولَهُ بيوتُ القريةِ المُتلاصِقَة.. وقَدْ ثُبِّتَ في وَسطِهِ (جرْنُ) الضّيعَةِ الحَجَريِّ الرّمارديّ، تظلله شجرة توت كبيرة مورقة، مُلاصِقاً لحائط (بيت العَجي) لتدُقَّ فيهِ نساءُ القريةِ كُلّها، القَمْحَ المُبَلّلَ، ب (المِدَقِّ ) الحَجَريّ، المَنحوتِ من نفسِ الصخرةِ البُركانية، في مَوْسِمِ (البرْبارَة) أو، عندما تريدُ المرأةُ أن تطبخَ (القَمْحيّة) في الشتاء، أو تطبُخَ القَمْحَ المَقشورَ معَ (الحمّص) وتضيف إليهِ (العيران) تمزجهُ جيّداً، ليصيرَ (مْتَبّلة).. كما يُدَقُّ فيهِ (السّمّاق) عندما تجمَعُ المرأةُ (اللوفَ) منَ الحقولِ البعيدةِ، لتطبُخَ منهُ (طَنجَرَة) للعائلة.. كما يُدَقُّ فيهِ (الرّيحان) الآس، الذي كانتْ أجسادُ المواليد تُدْهَنُ بهِ – بَعْدَ (تنخيلِهِ) – وإضافةِ قليلٍ من زيتِ الزيتون لهُ – في الأيامِ الأولى بعد الوِلادة..

كانَ هناكَ (زاروبٌ) فَرْعيٌّ صغيرٌ، يتخَلّلُ (بيت العَجي) و (بيت صالح ديبة) أو (صالح ابراهيم علي حسين).. يتّجِهُ نحوَ الشمال الشّرْقي، حوالي عشرة أمتار، أو أكثرَ قليلاً.. ليوصِلَ القاصِدَ إلى (بئرِ الضّيعة) الذي يستعملون ماءه لطين الأسطحة، سنوياً، بشكلٍ جَماعيّ..

وطريقٌ يهبطُ من خَلْفِ (بيت الشيخ سليمان) جنوباً.. وُصولاً إلى (بيت جدّي عبّاس) ويتّجِهُ شَرقاً، عابِراً (بيت محمّد عباس) واصِلاً (بَيْدَر الضّيعة)، هابطاً من جنوبِ البيدر، نحو (طاحونة الشيخ) ثمّ النهر (نهر البلوطة).. أو يُكمِل شمالاً ليصل إلى عيون القرية الثلاث.. ( عين الغربية ) ة ( عين الشرقية ) و ( عين التحتانية )..

يتقاطعُ من تحت (بيت علي ابراهيم) و (مْصيف بيت حَبيب) صاعِداً شمالاً نحوَ (الدّوّارَة) التي تقابلُ (بيت أهلي) و (بيت ابراهيم) في منتصَفِ القرية..

وعلى ذلكَ المُفتَرَقِ الذي يَصِلُ (الدّوّارَةَ) ب (الزاروبِ) بالطريقِ الهابطِ نحو (البَيْدَر)  ما زلتُ أذكُرُ تلكَ الصّخرة السوداء المَلساء قليلاً، والتي كانت تتشبّثُ بالأرضِ، تشبُّثَ أهل قريتي بها، وبقيَمِهمُ الإنسانية الراسخة.. كان الصغار (يتزحلطون) عليها، أمام أعين الأمهات الكبيرات، عجائز القرية، الجَدّات، اللائي تعوّدنا أن نُنادي أغلبهنّ (ستّي) لأنها بنظرنا ونظر أهلنا.. سيّدتنا.. خُلاصَة تجارِبِ الأجيال.. المَرجع الأهمّ.. معترفينَ بقيمَتهنّ.. مُقدّرينَ تضحياتِهِنّ، وما يحملنَ من تراثٍ، على كل جيلٍ أن يبني عليه، ويطمئنّ على رسوخِ جذوره..

كُنّ يجلسنَ في ظلالِ البيوتِ الطينيّةِ، حينَ تميلُ الشمسُ نحو الغروب.. بثيابهِنّ التراثيّةِ الجميلة.. فساتين قطنية واسعة مُشجّرَة، تزنّرُها (زنانيرُ) قماشيّةٌ بعَرضِ راحَةِ الكَفّ، تعقِدُها المرأةُ على أحَدِ جانبَيّ خَصْرِها.. وقد تربطُ فيها بعضَ قِطَعِ النقود المعدنيّة.. الأكمامُ طويلة.. والقَبّةُ مُدَوّرَة، تصِلُها من تحتِ العنقِ، إلى تحت الزنّارِ.. على الصَّدرِ عِدّةُ (كبّاسات) أو أزرار، تُتيحُ للمرأةِ إرضاعَ أطفالِها بسهولة.. أو أنّ تدسَّ في (عُبّها) بعضَ (التّينِ المُهَبّل) عندما تذهبُ إلى جَلْبِ (الحَشيشِ) أو الرّعي، أو قطعِ الحَطَبِ من الوِديانِ البَعيدةِ (ويدي وِهْبانْ)، أو القريبة.. لتحملهُ على رأسِها، وتحتهُ (القَبّوع ) المُخاط بشكلٍ مثلثٍ يحيطُ بالرأسِ من الأعلى وعلى الجانبين، والخلف، ويصلُ حتى أسفلِ الكتفين، بقماشٍ قطنيّ سميكٍ، من عِدّةِ طبقات.. ربّما قبلَ بزوغِ الفجْر. وقد لا تطلعُ الشمسُ، إلاّ وتكونُ المرأةُ قد قطَعَتْ، ونقَلَتْ أربعَ (حَمْلاتٍ) منَ الحَطَبِ، منَ الوادي، إلى جوارِ البيت..

أو بعضَ الخُبْزِ، والعِنَبِ.. عندما تُرافِقُ زوجَها، وهوَ يصطَحِبُ الثيرانَ إلى الحقولِ للحِراثةِ التي قد تمتدُّ من قبْلِ الفجْرِ، إلى ما بَعْدَ المَغيب (لَمّة الضّوّ)..

تحتَ الفساتينِ، تأتي (القُمصانُ) القطنيّةُ الرّقيقةِ، المُعَرَّقَةُ بعُروقٍ ناعِمَة.. واسِعَةٌ، أيضاً.. مزمومةٌ من الخصْرِ، أو ذات طَيّاتٍ مُسَطّرَة.. ولها (جَيباتٌ) قد تحملُ فيها المرأةُ بَعْضَ حَبّاتِ (الزّبيب) لتتناوَلَها أثناءَ العَمَلِ بالأرضِ.. أو تُطْعِمَها للأطفال.. أو.. ربما تحملُ فيها المرأةُ (مَحرمة) عبارةً عن قِطعَةِ قماشٍ صغيرةٍ، اقتطَعَتْها من ثوبٍ قديم.. تستعمِلُها لمَسْحِ عَرَقِها، أو تجفيفِ أنفِها، أو دموعِها.. أثناءَ هُبوبِ الرّياحِ البارِدَة..

تلي ذلكَ (اللبّيس).. وهي عبارة عن سراويلَ قطنيّةٍ مُشَجَّرَةٍ، أيضاً.. يغلبُ عليها اللونُ الأحمر.. كانتِ الجَدّاتُ الكبيراتُ يَجْمَعْنَ طَرَفَيها بقطعتينِ من المَطّاط، مَنعاً من ارتفاعِها عنِ الكاحِلَينِ أثناءَ العَمَل.. أما بناتهُنّ (عمّاتي، وأترابهُنّ) فقدِ استبدَلنَ المطّاط، بكَشاكِشَ في أسفلِ كلّ ساقِ من ساقيّ السروال، وضَيّقْنَ فَردَتيهِ أيضاً.. لكن، مع مُراعاةِ السّعَة، التي تبدأ من الرّكبَتَينِ، حتى الخصْر، الذي يُثبّتُهُ المَطّاط فوقَ الوِركَين..

أما غطاء الرأس.. فقد كانتِ الجَدّاتُ تلبَسْنَ فوقَ (البوشيّة) وهي عبارة عن غطاء دائريّ قماشيّ سميك أسود، قد تلمَعُ فيهِ بَعضُ خيوطِ القصَبِ الفضّيّةِ، أو الذّهَبيّة.. يحيطُ بالرأسِ حتى فوقَ الأذنين.. تليهِ (شوراية) قماشيّة قطنيّة بيضاء، مُرَبّعَة الشكل،  تُلَفُّ كالكعكةِ فوق البوشيّة.. أو تُطوى بشكلِ مُثلّثٍ، ويُرْبَطُ طَرَفاها من الأمام، تحتَ الذّقن..

 ينتعِلن أحذيَةً (شَدِّة ) من (الغوما) كانتْ بعضُ النسوةِ يخلعنها وهُنّ صاعداتٍ من الوادي، إلى القرية، يحملنَ على رؤوسهنّ (حَمْلاتِ) الحطَبِ، أو (الحْماية) ويضعنَ الحذاءَ داخِلَ (الحَمْلةِ) التي يلفّها (خْناق) مصنوع من شَعْرِ الماعز، ويُكْمِلنَ الدّرْبَ الضّيّقَ المليء بالحَصى والتراب، حُفاةً.. حتى يصلنَ إلى بيوتهنّ على ارتفاعِ عِدّةِ كيلومترات.. كي لا (يخيس) أو (يخرب) الحذاء.. أو (المْداس) أو (الصّرماية).. هذا الأمر، ظلّ حتى خمسينات القرن العشرين، على الأقَلّ..

أما بعد ذلك، فقدِ اختلَفَ الأمرُ قليلاً.. حيثُ خَلَتِ البلاد من الحروبِ المُباشِرة.. وهُمِّشَتْ (المْرَيْقِب) مثلها مثل أغلبِ القرى.. مع أنها كانتْ تعجُّ بالحياةِ، أثناءَ الثورةِ التي انطلَقَتْ منها الشّرارِةُ الأولى ضدّ الغُزاةِ الفرَنسيّين.. في خريفِ /1918/م.. وأُخْمِدَتْ عام /1921/م..

كانتْ (المْرَيقِب) أثناءَها، مَحَطّ أنظارِ، واهتمامِ كلِّ القوى الداخليّةِ، والخارِجيّة.. فهيَ مَسقطُ رأسِ قائِدِ الثورة، الشيخ المُجاهِد.. ورَجُلِ الدّينِ الوَرِع (الشيخ صالح العلي) والكثير من الثوّار.. منذُ العَهْدِ العُثمانيّ البَغيض.. ومن أهَمِّهِم – إن لم يكنْ أهَمّهم – أجدادي، وجَدّاتي.. وعلى رأسهم جَدّي لأبي، المُجاهِد البطل العنيد الشجاع (الشيخ سليم صالح) الذي عَيّنَهُ قائدُ الثورة، (عَقيداً) فيها.. وكانَ آخرَ مجاهِدٍ يُلقي سلاحَه. وكان ذلك، بعد تسليم قائد الثورة نفسَهُ للغزاة الفرنسيين، بعد تخفّيهِ عنهم لمدة طويلةٍ، بعد فشلِ الثورةِ لانقطاعِ الإمدادات، ولأسباب أخرى، كان الفرنسيون يحرقون القرى التي يظنون أنّ (الشيخ ) مختبىءٌ فيها، وأنّ سكّانها ينكرون ذلك. فيهجّ الناسُ إلى البراري أو القرى القريبةِ أو البعيدةِ، بحثاً عنِ الأمان، مصطحبينَ معهم أطفالهم ودوابّهم ومَرضاهم وعجائزهم، تلاحقهم طائراتُ الغُزاةِ، وتقتلُ مَن تقتل، وتروِّعُ الجميع.

حتى (غورو ) كان يزور السكنة العسكرية التي بناها الفرنسيون كمرصد في أعلى جبل المريقب، ليراقبوا بيت الشيخ صالح وتحركاته، وغير ذلك..

وما تزال بقايا زجاجات خمورهم متناثرةً على سفح الجبل، ندوسها بأقدامنا، وتذكّرنا بأنّ الطغاة الفرنسيين مرّوا يوماً ما من هنا، وحاولوا الإستيلاء على بلادنا، لكنّ أسلافنا طردوهم بقوة السلاح والعقيدة..

سألَ القائد الفرنسيّ المُتغطرس، الذي سيحاكِمُ قائدَ الثورةِ بعد استسلامهِ القسريّ، ليخفّفَ الضغطَ على القرى والسكّان الفقراء المُدقِعين : لماذا تحاربوننا يا شيخ صالح..؟؟!!

فأجابهُ شيخُ المجاهِدين : نحن لم نذهبْ إلى فرنسا لنحاربَكم في شوارعِ باريس. أنتم مَن أتيتم إلى بلادِنا واعتديتم علينا، ولهذا نحاربكم، لنطردكم من بلادنا.

مما أغضبَ ذلك الفرنسيّ المُعتدي الشرس.

بصعوبةٍ بالغة، استطاعَ الشيخ الجليل أن يُقنِعَ جدي البطل (الشيخ سليم صالح ) بتسليم سلاحِه، وذهبَ معهُ إلى طرطوس، حيثُ سيتمّ التسليمُ في الثكنةِ العسكريةِ الفرنسيةِ هناك.. أدخلَ الحَرَسُ الشيخَ، بعد أن استأذنوا قائدهم داخلَ الثكنة، وظلَّ جدي واقفاً في الخارجِ، وبندقيتهُ على كتفه الصلد. وعندما طالَ انتظارهُ، دخلَ عليهما بسلاحهِ الكامل، فوجئ به الشيخُ، كما فوجئ بهِ القائد الفرنسيّ، سألهُ الشيخُ بتعجُّبٍ بالغ : كيفَ دخلت.؟! أجابهُ جَدّي : كما دخلتَ أنت. قالَ الفرنسيّ للشيخ : لو كانَ معكَ اثنان من المقاتلين بشجاعةِ هذا الرجل، لاستطعتَ أن تهزمَ فرنسا وألمانيا معاً.

(-هذا الكلام أعرفهُ، لم تأتي بجديد..

-تعرفينهُ، بالتأكيد.. لكنني سأوثّقُهُ، لتقرأهُ الأجيال، وتعرفَ تاريخها وتراثها.

-ألله يطيّب عيشِك..

-ألله يسعدكِ حيث أنتِ يا أمي.. )

قد يعجبك ايضا
Loading...