جريدة الكترونية

الدولار والحكومة والرواتب والوعود وعدم الثقة

عبد الرحمن تيشوري / خبير ادارة عامة
رفع الدولار ورفع الدعم واقتصاد السوق الاجتماعي المنفلت:
نعود الى الأسئلة الكثيرة التي تراود كل منا, هل تتناسب سياسة رفع الدعم مع نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي الذي تتبناه الحكومة, مع الإشارة الى عدم وجود حزمة أمان اجتماعي متكاملة قادرة على امتصاص الآثار السلبية لرفع الدعم؟ أم أنه جزء من سياسة إصلاحية ستعمل على تغيير الاقتصاد السوري نحو الأفضل كما يقولون؟
فإذا كان ما تتخذه الحكومة من إجراءات هو للتحول إلى اقتصاد السوق الاجتماعي كما تدعي, هنا يتساءل المستهلك السوري الموظف الشريف: بأي معيار يمكن قياس التطورات الحاصلة حتى نتبين هل نحن نسير باتجاه جانب السوق أم الجانب الاجتماعي؟
– باستخدام معايير السوق:
تمكين القطاع الخاص في قطاعات كانت حكراً للدولة (مصارف – تأمين…), تحرير التجارة الخارجية, تحرير الأسعار, تشجيع الاستثمارات الخاصة, تخفيض العبء الضريبي…
– باستخدام معايير الجانب الاجتماعي:
هي المعايير التي تعزز دور الدولة بأدوات متنوعة مثل تعزيز الإنفاق الحكومي وضبط الأسعار وربطها بالأجور ومكافحة البطالة…
بقياس الإصلاحات التي تمت حتى اليوم وفق المعايير المذكورة نجد أن غالبيتها تمت لمصلحة السوق والتجار والكبار والحيتان على حساب البعد الاجتماعي والفقراء والموظفين والعسكريين, حيث يبدو من خلال ما نلمسه على أرض الواقع من توسع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية, وتحول الجزء الأكبر من الطبقة الوسطى نحو الطبقة الأدنى, مع ازدياد ثراء الطبقة الغنية على حساب القسم الأكبر من باقي فئات الشعب, أن الحكومة تتجه نحو اقتصاد السوق الحر المتوحش, وكل ما تصرح به من خطابات حول التحول الى اقتصاد السوق الاجتماعي هو إما جهل منها بتعريف السوق الاجتماعي, وهذا موضع شك في ظل وجود اقتصاديين مخضرمين فيها / المجلس الاستشاري في مجلس الوزراء / , أو أنه للاستهلاك المحلي وتخدير الشعب بالوعود والأمنيات المستقبلية لتمرير نصيحة صندوق النقد والبنك الدوليين / او اشياء اخرى غير معلنة / , وهو الاحتمال الأرجح.
الواجبات المستجدة للحكومة تجاه المستهلكين الشرفاء الفقراء واغلبهم موظفي الدولة:
ما زال الفريق الاقتصادي / وغير الاقتصادي / في الحكومة مصراً على أن اقتصادنا واعد, وأن بلادنا هي الأقل مديونية بين دول المعمورة, وأن نسبة النمو ترتفع بشكل “مضطرد”, وأن العجز في الميزان التجاري ينخفض والدولار يهبط, وأن الاستثمارات تتساقط علينا كالأمطار في الساحل السوري وفي سورية, لكن أحداً منهم لم يفسّر لنا حتى الآن: لماذا لم تنعكس كل هذه “الإنجازات” إيجاباً على أوضاعنا المعيشية التي ما زال مؤشرها يتجه هبوطاً ولا ندري إلى أين سيصل حيث بتنا لا نملك ثمن الخبز وينتهي راتبنا منذ اليوم الثاني لقبض ما تبقى منه؟!.
على كل حال بعد الارتفاع الجنوني الصاروخي للدولار والاسعار, إذا كانت الحكومة قد بدأت برسم الملامح الاقتصادية في سوريا وفق ذهنية القطاع الخاص, فإن رسم الملامح الاجتماعية يبقى مسؤوليتها الأهم, وبعد أن قامت الحكومة برفع الدعم كليا عن المازوت والغاز المنزلي وجزئيا عن البنزين وما رافق ذلك من ارتفاع في أسعار العديد من السلع والخدمات, بات لزاماً على الحكومة القيام ببعض الإجراءات التي من شأنها التخفيف من وطأة هذه الأسعار على المستهلكين الموظفين والمواطنين, ومن أهمها إنشاء بنية أو شبكة ماصة للآثار السلبية المرافقة لرفع أسعار المشتقات النفطية وارتفاع الدولار وانخفاض قيمة النقد الوطني, يمكن أن نسمي هذه الشبكة شبكة الحماية الاجتماعية, وأهم ما يجب أن تحويه شبكة الحماية الاجتماعية تلك:
• تأمين وسائل نقل عامة لائقة وحضارية في كافة المحافظات تعمل داخل المحافظات وفيما بينها بتسعيرة معقولة, إضافة إلى تفعيل وتحديث شبكة الخطوط الحديدية.
• إحداث صندوق المعونة الاجتماعية ومباشرة مهامه بأسرع وقت ممكن, لدعم الأسر الفقيرة وتقديم إعانات البطالة وإعانات ومساعدات لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة.
• يجب على الحكومة عدم تخليها عن دورها في دعم الصحة والتعليم, بل زيادة الاهتمام بهذين القطاعين الحيويين في هذا الوقت بالذات, وتأمين الضمان الصحي لجميع المواطنين.
• تفعيل دور المؤسسات الاستهلاكية وصالات الخزن والتسويق, من خلال التدخل الإيجابي في الأسواق, حتى لا يقع المستهلك تحت رحمة السوق وجشع التجار. إضافة إلى مساعدة جمعيات حماية المستهلك ووضع قانون حماية المستهلك موضع التنفيذ الفعلي والمتابعة.
• دعم قطاع الإسكان والجمعيات السكنية بشكل ملموس, من خلال توفير الأراضي اللازمة والمشاركة في تنفيذ بعض المشاريع السكنية الخاصة بمحدودي الدخل, كما يجب الاهتمام بمشاريع التنمية ودعم المشاريع العائلية الصغيرة.
• زيادة الرواتب والاجور فورا بالاقتراض والاستدانة او التمويل بالعجز / طباعة النقود
• مكافحة الفساد الكبير
• الاسراع في الاصلاح الاداري واعادة تقييم تجربة المعهد الوطني للادارة
• مكافحة التهرب الضريبي
• تعديل الحكومة او ترحيلها كاملة
• تعديل جميع التعويضات
نتائج سياسة الحكومة في رفع الدعم ورفع الدولار وتخفيض الرواتب:
إن المؤكد حتى الآن, أن أزمة المواطن المعيشية ازدادت تفاقماً منذ بدء تطبيق خطة “إعادة توزيع الدعم على مستحقيه” كما يحلو للفريق الاقتصادي أن يسميها, كما أن حمى الأسعار قد عمت البلاد وأرهقت العباد, ولم يعد بالإمكان ضبطها أو كبحها, وما زال المواطن ينتظر أن يصبح شعار إعادة توزيع الدعم واقعاً ملموساً على الأرض ويصل “الدعم” إلى جميع المستحقين دون غيرهم.
إن الآثار التضخمية الخطيرة جدا التي بدأنا نتلمسها بوضوح جراء ارتفاع الدولار و رفع أسعار بعض المشتقات النفطية سواء على صعيد المستوى المعاشي العام للمواطنين, أو على صعيد الاستثمار و النمو الاقتصادي, أو على صعيد توزيع الدخل القومي داخل المجتمع السوري, قد بدأت تزيد الفقراء فقراً والأغنياء غنىً, ولا نجافي الحقيقة كثيراً إذا ما قلنا أن ما يحصل حالياً هو ثورة مظفرة على الفقراء والشرفاء, الذين أصبحوا من غير دعم هم بأمس الحاجة له, وخاصة بغياب الحد الأدنى من الأمن الاجتماعي, كما أصبح الركود التضخمي واقعا يوميا ملموسا و معاشا, كما يمكن تحسس الصدمة على مستوى الاستهلاك التي أصابت معظم الأسر والمرشحة للاستمرار ما لم تتحرك الحكومة لإيجاد الحلول الناجعة والسريعة.
إن نهج السوق الاجتماعي الذي اعتمدته الحكومة بعد المؤتمر العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي، لا يعني الاقتصاد الحر، ولا يعني الانصياع لتعليمات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي, وبالتالي فإن جهود الحكومة الهادفة لهيكلة الاقتصاد السوري وفق اقتصاد السوق يجب أن تترافق مع جهود مماثلة لحل المصاعب والأزمات التي تعانيها الفئات الفقيرة والمتوسطة، كالفقر، والبطالة، والضمان الصحي، والجدول المتحرك للأجور تناسباً مع ارتفاع الأسعار, فالاقتصاد يجب أن يخدم المجتمع وليس العكس.
كلمة أخيرة:
يتوجب على الحكومة بناء جسور الثقة / المفقودة / بينها وبين مواطنيها, كما يجب عليها أن تتعامل بشفافية وصدق معهم, لا إطلاق شعارات ووعود كاذبة والعمل بنقيضها, إضافة الى ذلك ومهما ازدادت الضغوط الاقتصادية عليها يجب أن لا تتخلى عن الجانب الاجتماعي أو تهمله, فالحكومة التي تتخلى عن وظيفتها الاجتماعية تفقد مبرر وجودها لذلك يكره السوريين حكومتهم ويالبوا القيادة بتبديلها.
إن المستهلك السوري الشريف الموظف الفقير على استعداد للتضحية والقبول برفع كامل للدعم, وتحمل الآثار السلبية الناجمة عن ذلك, لو كان يثق بالحكومة وإجراءاتها, أو لو لمس لدى الحكومة عزماً صادقاً على الإصلاح من خلال البدء بمكافحة الفساد بكافة أشكاله من رشوة ومحسوبية وفساد إداري وتهرب ضريبي وتهريب وتمييز في تطبيق القانون وغير ذلك من أشكال الفساد المتنوعة وخاصة داخل الجسم القضائي, لأن المستهلك عندما يشعر بهذه الإصلاحات يتولد لديه شعور بأن كل ما تقوم به الحكومة من إجراءات يهدف إلى تحسين مستوى معيشته, ويولّد هذا الشعور لديه استعداد للتعاون مع الحكومة حتى تنجح بما تقوم به, ولو كان ذلك على حساب انخفاض مستوى معيشته لفترة محددة.
المهم الآن بعد أن انجلى غبار السجال الذي احتدم حول الدولار و الدعم وإعادة توزيعه وانتهى بالقرار المعروف، برفع أسعار جميع السلع من خلال رفع المازوت والغاز المنزلي، فإن ما هو مطلوب من الحكومة اليوم، وبصرف النظر عن الموقف من هذا القرار، هو تلمس الثغرات والنواقص ومختلف أشكال الغبن التي بدأت تبرز مع الشروع في تنفيذ القرار، والتي أغفلها أو تجاهلها صانعو القرار أو لم ينتبهوا لها أو لم تخطر لهم على بال, للعمل على معالجتها وتخفيف آثارها السلبية الكارثية حيث 90 % دخلوا خانة الفقر منهم 60% فقر مدقع.

قد يعجبك ايضا
Loading...