جريدة الكترونية

رواية (ظلالٌ هارِبة ) الجزء التاسع – الكاتبة الأديبة فاطمة صالح صالح- المريقب

أجدُ هنا، بطاقة معايدة، مُرسلة لأبي، من صديقهِ الذي كان مديراً لمنطقة الشيخ بدر، موقّعة باسم مُرسِلِها..

دمشق مقام النبي يحي  الجامع الأموي..

ملصقٌ عليهِ طابعٌ بريديّ مخصصٌ للبريد الجوي، بقيمة مئة قرش، الجمهورية العربية السورية..

سأنقل ماكتبه ( أبو باسل ) على قفا البطاقة ..

( Rep. Argentina

Rojas : Ps. As.

R.tte : Saleh S . Saleh

Melian 165

الأرجنتين

الأخ أبو اسماعيل

أصدق التهاني بالعيد وأطيب التمنيات بالعودة إلى الوطن

لك ولللأخت ام اسماعيل

وللعم الكريم

صورة من التاريخ للتاريخ ولم يبق لنا سوى التاريخ………

الرائد محمد جمعة النابلسي

مدير منطقة الشيخ بدر

9/1/973 )

وهنا بطاقة من ورود زاهية، قرنفلتين لون زهري، وعدة ورود لونها أصفر موشى بالبُني.. وعروق خضراء..

أذكرُ أنني أرسلتها إلى اسماعيل، في المغرب، وأنا في بيت عمي أبو معن في بانياس عام 1979م..

كتبتُ على قفاها، بخطٍّ ناعم :

(باسمِكَ يا حبي الأولْ

وبإسم الشوق إلى المعولْ

وبحبي لله وحبي

لأبي ولأمي والمُجْمَلْ

أقرأ أكتب باسم الكلِّ

أبكي وأغني وأمنّي

يا من للحب يرى لحني

FATMA,S

إلى محبوبي

إليك – يا حبيّ الحقيقي

أهدي كلَّ الأشواق

التي تجمع العطر من كل زهرة

والأغاني من أفواه العصافير

المُحبة

FATMA,S

______________________________________________

وصورة ملونة، تجمع ثلاثة أطفال، أكبرهم، هنادي بنت عمتي نَدِّة، والأوسط، مهنّد إبن عمتي آمنة، والأصغر، أخوه ، أمجَد، وبيدهِ حصانٌ بلاستيكيٌّ صغير..

وخلفهم تبدو عدة صخور، وبعضُ الجفنات، من سنديان، وغيره..

مكتوب على قفا الصورة :

(أختي الحبية فاطمة :

إني أبعث لك هذه الصورة لتعبر عن أني أفرح حين تفرحين وخاصة بصورة أمجد مع أن آمال قد تشاجرنا أنا وإياها حتى حصلت عليها ولكن لم أقل لها أني سأبعثها وبنشوف شو بيصير بعد الإيخر

وشكراً لك وأتمنى أن تفرحي

أخوك المخلص

..)

هناكَ إمضاءٌ غير واضح، وتأريخٌ غير واضحٍ، أيضاً..

لكنني أظنّ أنها من أخي آدم، لي، عندما كنت في (المغرب )..

أخي علي كان يراسلني من رومانيا، حيث كان يدرس الهندسة المدنية، إلى (المغرب ) أيضاً.. وأنتِ يا أمي، وكذلك أبي الغالي، وجميع أفراد العائلة، وبعض الصديقات..

_______________________________________________

أراكِ تحضنينني، وليدةً، حَمدتِ اللهَ على خروجي من بطنكِ، وتتلقفني كفّا ( ستي أم علي فضة ) دايتكِ، وتسمي بالرحمن وتصلي على النبي وآله الكرام، وتتناولني منها، (ستي أم صالح ) و (مرت عمي أم يحي ) وعماتي (فاطمة ) و (ندة ) و (آمنة )، ويسعدُ بي أبي، وعمي (علي ) وعمي (محمد ) الذي كان في العاشرة من عمره.. وربما آخرون..

وأراكِ تحضنينني، وتخرجين بي إلى (الدوارة ) وأنا في عمر العام وحوالي شهرين، وربما كنتِ مازلتِ ترضعينني، من صدرِكِ الغالي.. وتجلسين مع بعض النسوة، القريبات، والجارات، خلف حائط (بيت الوسطاني ) الذي وُلدتُ فيه.. وتتفاجئين، أنني أفلتُ نفسي من يديكِ الطاهرتين، ورحتُ أعدو….. تضحكينَ، وتقلقين، وتُعجبين..

–           هذه الطفلةُ، لم تحبُ بَعدُ.. فكيف راحت تكرجُ كعصفورةٍ تتنقلُ فوق أرضٍ ترابيةٍ، ولا تخشى السقوط..؟!

–           ألم تفطميها بعدُ، يا (أم إسماعيل ).؟!

–           لا.. لن أفطمها، سوى عندما أشعر أنها تستطيعُ الإستغناءَ عن حليبي..

–           أمي.. صدقيني، لم أستطع ذلك، حتى الآن.. وربما حتى بعد موتي..

–           ألله يسمح.. لم أرضعْ أحداً من إخوتكِ، أو أخواتكِ، قدرَ ما أرضعتِك..

–           مازلتُ أشعرُ بطعمِ حليبكِ في فمي.. ومازلتُ أستطيبهُ، وأستقي منه نسغ حياتي، يا أميَ الغالية..

–           دائماً تبالغين..

–           لا أبالغُ، يا أمي..

ثم أراني، أخترعُ حيلةً ُنجيني من عقابكِ..

وأفلحُ في خداعكِ، بعد أن صدقتْ خدعتي ( مرت عمي أم يحي ) الطاهرة..

وتخرجينَ فراشَ سريريَ المعدني، ككل صباحٍ، لتنشريهِ فوقَ حَرْفِ المِصطبة، أو على أغصان السنديان المكدسة أمام بيت الشرقي، ليجف، ويتعقم تحت أشعة الشمس..

وأراني أستجيبُ لخطةٍ، رسمناها أنا وأخي إسماعيل، فأتركهُ يراقبني، أو يراقبكم، من (شباكِ ) بيت الشرقي المُطل على باقي بيوتنا، المؤلفة من خمسةِ غرفٍ طينيةٍ متلاصقة، فأمشي ، وهو يحرسني، نحو (أوضتنا ) التي تلي أوضة الشرقية، من الغرب، أدخلها، وأرفعُ (المْكَبة ) لأسرقَ عن عينيكِ، رغيفاً، أو مِزقةً من رغيف.. أخفيها في جيبي، أو في طياتِ فستاني البوبلين الأحمر، وأسيرُ بحذرٍ، نحو (بيت الشرقي )، فترقصُ روحانا، ونأكلُ بشهيةٍ لاتقاوم، كل الخبز المسروق.. فلو علمتِ أننا أفطرنا، لما أيقظتِنا، في باقي الأيام، لنتناولَ السحورَ، ونسابقَ أبي على ( البتنجانة ) المشوية، التي أضفتِ إليها الملح وزيت الزيتونِ، وبعض الثوم المَدقوق..

ما زلتُ أستلذ بمثل هذه الوجبة، يا أمي.. رغم أن طعمها مختلف جداً عن تلك الوجبة التي كنا نتناولها في ستينات القرن العشرين.. في سحورِ شهر الصيام..

–           أرجوكِ، يا أمي.. أيقِظينا على السحور..

–           لن تستطيعا الصيام..

–           بل، نستطيع..

–           وإن لم تستطيعا، فلن أوقظكما ثانيةً..

–           فليكن..

____________________________________________

بطلب من موقع ( مدونة وطن ) كتبت على صفحتي على الفيسبوك، ما أتذكره من عاداتنا وتقاليدنا في شهر رمضان المبارك، فقرأه من صفحتي ( عبد العزيز محسن ) واستأذنني أن ينشره على صفحة (بانوراما طرطوس ) الذي يديره، فوافقت على شرط أن أرسله أولا لموقع (مدونة وطن ) فوافق.. وكان ذلك..

( كنا ننتظر رؤية هلال شهر رمضان المبارك، بفرحة غامرة..تجهّز غرفة في بيتنا لأداء صلاة الجماعة التي كان أبي يحرص على أن تؤدّى في بيتنا.. حيث تفرش البسط والحصر والسجاجيد – إن وُجدتْ -.. في أرض إحدى غرف بيتنا.. الطينيّ القديم.. ثم.. الإسمنتيّ الحديث.. وما إن يعلن المذياع.. أو التلفاز حديثا ً، حلول شهر البركة.. حتى تتهلّل نفوسنا.. وتجهّز أمي طعام السحور الذي يتكوّن من التمر.. الذي كان أبي يحضر منه سلّتين في بداية كل شهر.. تكفي العائلة والضيوف.. كما كان لصحن الزيتون المرصوص المحفوظ في أواني زجاجية مع الماء والملح.. كان له تواجد على السفرة الرمضانية في السحور والفطور.. وصحن المكدوس.. والباذنجان المشوي أو المقلي.. والفاصولياء واللوبياء.. والكوسا.. والعنب والتين.. الطازج أو المحفوظ.. حسب موسم الصيام.. وبالطبع البيض البلدي واللبن والحليب واللبنة والمتبلة والشنكليش.. واليقطين.. وغيرها.. وشوربة العديس.. أو المخلوطة.. وكلها من إنتاج أرضنا الطيبة.. المغموسة بعرق أهلنا وعرقنا المبارك.. وخبز التنور الذي كانت تخبزه أمي.. كل يوم أو كل يومين من 70 إلى 100 رغيف.. من طحين الحنطة البلدية السمراء.. الممزوج بقليل من الطحين ( الغريب ).. ليساعدها على التماسك عند رقّ الأرغفة..

كان أهل القرية يجتمعون في بيتنا لأداء صلاة الجماعة بعد كل إفطار.. يصلّون.. ويقرؤون القرآن الكريم.. ويدعون لله العليّ القدير بالخير العميم في الدنيا والآخرة.. وبعد انتهاء الصلاة.. يتناولون الشراب المؤلف من الزهورات المحلية كالزوفا .. أو البابونج.. أوالشاي.. أو القهوة.. أو عصير بعض الفواكه.. .. ثم الحلويات.. والفواكه.. يتبادلون الأحاديث الدافئة.. والمعلومات التي تهم الجميع.. يتناقشون في أمور الدين والدنيا.. قبل أن يعودَ كلّ إلى بيته.. لينام حتى وقت السحور..

وبعد السحور يصلون ويقرؤون القرآن الكريم بأصوات ٍ مرتفعة.. كانت تتلاقى في فضاء القرية الواسع الحاني.. تصل آذاننا نحن الصغار.. فنشعر بالقداسة.. والسعادة الروحية الغامرة.. وكثيرا ً ماكنا نرجو أمي أن تسمح لنا بالصيام.. لنتشارك هذا الطقس الصوفيّ الرائع والدافئ.. وإن عجزنا عن إتمام صيام يوم ٍ كامل.. نخاف أن تمنعنا أمي من محاولة الصيام مجدّدا ً.. كان تناولنا للسحور مع أبي والعائلة.. يشعرنا بحميمية ودفء لامثيل له في العالم.. تضع أمي الطعام على طبق ٍ من القش.. تكون عمّاتي وجدّتي قد صنعنه من قش القمح البلدي بعد الحصاد ، وتجميعه في أكداس ٍ دائرية فوق البيادر.. قبل دراسته بالنورج ( المرج ).. أو ب ( الدّرّاسة ).. حديثا ً.. تبقى أصوات قراءة القرآن الكريم تتعالى في أجوائنا، حتى نسمع صوت ( الشيخ أحمد غانم ) يؤذنُ آذان الفجر، من على مئذنة جامع ( الشيخ علي سلمان ).. ننام نحن الصغار بانتظار الصباح.. للذهاب إلى المدارس.. أو البقاء في البيت.. حسب أعمارنا.. أما الكبار.. أبي وجدتي وعمّاتي وعمي.. فكانوا يذهبون إلى الحقول للعمل فيها منذ الفجر.. حتى مابعد الظهر.. لم يكن أحدهم يفطر حتى في أشدّ أيام السنة حرارة ً.. أذكر أن عمتي كانت تصوم ثلاثة أشهر من كل عام.. رجب.. شعبان.. رمضان.. وتشارك في كل أعمال الحقل.. والبيت. وتجد وقتا ً لتعلّم القراءة والكتابة ومطالعة الكتب التراثية.. والخياطة والتطريز.. وغيرها.. أما الماء الذي كنا نشربه.. فكنا نحضره من عيون القرية الشحيحة، بواسطة الجرار الفخارية.. أو تنكات الصفيح.. أو، من ( عين الشيخ بدر ).. بواسطة ( الراويات ) المحمّلة على الحمير.. حيث نفرغ ( الراوي ) في خوابي فخارية تحتها كمية من ( البلاّن ).. نغطيها بصحن معدني.. فوقه ( كال ) ألمنيوم.. نتناول بواسطته الماء من الخابية لنشرب ونعيده إلى مكانه.. كنا نعرف حلول المغيب، من آذان ( الشيخ أحمد ) من على مئذنة الجامع.. فتكون أمي قد حضّرت طعام الإفطار.. المكوّن مما ذكرتُ سابقا ً.. بالإضافة لبعض السمك المقلي الذي كان يحضره المحبّون إلى بيتنا من نهر ( البلوطة ).. أو يكون أبي قد ذبح دجاجة بلدية غير بيّاضة.. أو ديكا ً.. لتطهوه أمي مع المرق ( اليخنة ).. أو تطبخ على مائه برغل بحمّص.. تتبله بزيت الزيتون.. أو تشويه.. وتضع فوقه التبلة المؤلفة من زيت الزيتون وعصير الليمون الحامض والثوم المدقوق.. مع خبز التنور وسلطة البندورة مع البصل أو الثوم..

كلن أبي يحرص على البدء بالصوم حين تعلن ( الدولة ) عن بداية شهر الصوم.. ويفطر عندما تعلن عن رؤية هلال شهر شوّال..

كم كانت فرحة العيد تغمرنا عندما يفطر الصائمون.. الذين يحرصون على عدم الإفطار سوى من برغل ولحم العيد.. كتراث ٍ عريق.. توارثناه على مدى قرون من الزمن.. أيام كان يعزّ أكل اللحم سوى في الأعياد..!! كنا نفرح كثيرا ً عندما نكسرُ عظام الدجاج أو الخروف أو الجدي أو العجل.. بعد تناول كل ماعليها من لحم..!! فنمتصّ ما بداخل العظم المسلوق بشهيّة ٍ بالغة.. شهية من حُرمَ اللحم لعدة أشهر..

في العيد.. كان أبي يجمع الزكاة من الناس.. يضيفها إلى مايريد هو التزكية به .. وممن كان ينذر نذرا ً.. ويوزعها على الفقراء والأرامل واليتامى والعجائز.. وعلى الغرباء الذين كانوا يتواجدون في القرية في مواسم الأعياد.. ويوزع على الأطفال بعضا ً النقود المعدنية.. تسعد قلوبهم الطرية ..

كان الناس يتبادلون التهاني بالعيد.. والدعاء أن يعيده الله تعالى على الجميع بالصحة والعافية والسلامة وراحة البال.. يتشاركون الطعام والحلوى واللقاءات العذبة الجميلة.. بحبّ وتآخي قرويّ صادق.. الكلّ يلبس أجمل ماعنده من ثياب.. ويأكل مالذ وطاب من الطعام.. والأطفال يلعبون معا ً في ( الدّوّارة ) و ( الزاروب ) وعلى البيادر.. وربما في الحقول القريبة.. يجعلون من أغصان الأشجار أراجيحَ يلهون بها وأصواتُ زقزقاتهم تملأ الكون بالفرح والحبور.. الجيران يتبادلون التهاني والأمنيات الطيبة.. وضيافات العيد.. يعيدون المرضى.. ويزورون قبور موتاهم لقراءة الفاتحة على أرواحهم.. ووضع الزهور فوقها وإيقاد البخور الذي تبقى رائحته تعبق في الأجواء مدة طويلة..

قبل.. وبعد الصلاة.. كانوا يولون الأطفال ، والشباب الصغار، المزيد من الإهتمام.. يزيدون في إكرامهم واحترامهم.. لترغيبهم بالمواظبة على الصلاة والصيام..

كثيرةٌ هي ذكريات الشهر الفضيل في قرانا.. فكيف لهذه العجالة أن تصفها..!! كل عام وأنتم بخير.. يا أهلنا الكرام.. أعاده الله تعالى علينا وعليكم وعلى كل الطيبين، بالخير واليمن والبركة.. وبالصحة والعافية والسلامة وراحة البال.. عافاك الله يا سوريا الغالية. )

_____________________________________________________

في أحدِ اللقاءاتِ الصحفية، سألني الصحفيّ :

-لماذا تكتب فاطمة صالح؟

فأجَبتُه : – أكتب، ببساطة، لأنني لا أستطيعُ سوى أن أكتب.

وقد ضحكت (أم ريم ) مُعجَبَةً، عندما أخبَرْتُها بذلك.

روايتي الرابعة (إلى اللقاء يا أمي) قد تصدرُ كَكِتابٍ مُلحَقٍ بمجلةِ (المعرفة) كما اقترَحَ الأستاذ خالد.

-ألله يسعد بشائرك.. ألله يعطيكِ العافية يا ابنتي.. متى..؟!

-ألله يعافيكِ يا أمي.. والله لا أعرف. المهم أنني (أنجَبتُها ) ولستُ راضيةً عن جَمالِ مَولودَتي إلى حَدٍّ كبير، لكنني متأكّدةً أنها تستحِقُّ أن تُقرأ، وفيها من المتعة والفائدة، ما يجعلني سعيدةً أنني أنجَزتُها خلالَ أكثر من عامٍ بقليل، وأنني كنتُ أشعرُ بآلامِ المَخاضِ، وأرَقِهِ، قبلَ وفاتِكِ يا غالية.

هل أقرأ لكِ ماكتبَ الأستاذ خالد في صحيفةِ (الثورة ) العدد/15822/الصادر يوم الخميس/16/تموز (يوليو )هذا العام..؟!

-بالطبع، تقرئين، وبسرعة.. يا الله..

( كتاب مجلة (المعرفة).. إنجاز ثقافي يتحقق

بدايةً أرغب أن أنوّه بما عرفتُهُ مؤخراً من أنّ مجلة المعرفة التي تصدر عن وزارة الثقافة في سورية، تُطلِقُ مشروعاً جديراً بالإهتمام والإحترام في آنٍ معاً، هو أنها سوف تُصدِر مع كلّ عدد من أعدادها كتاباً مُرفقاً بالمجلة، سيوزعُ مجاناً كما أن المجلة ستوزعُ مجاناً أيضاً، وقد كنتُ أحد المكلّفين بإعدادِ كتابٍ أو أكثر منها، يضمّ إبداعات الشباب أو الأجيال الأعمر، وقد كلّفني بهذا الصديق الدكتور علي القيّم، وهو رئيس تحرير هذه المجلة المحترمة ذات التقاليد العابرة للأجيال والمواكبة، كما أنّ علي القيّم هو واحد من المثقفين في سورية الذي عمل ويعمل على الإسهام في بناء ثقافة تنموية، وهو المتميز بالجدّ والمثابرة على أكثر من صعيد..

لقد سُعِدتُ بهذا التكليف، وبما أنني مازلتُ أعاني ومنذ أشهر في محاولة جَمع مادة لهذا الكتاب المُقترَح، وأعني بذلك كتاب الشعر الجديد، وبسبب الإستسهال أو التأثر بالوافد المُترجَم، أو بثقافة الفيس بوك أخيراً، فإنني مازلتُ أعمل على جمع ماتيسّر، بحيث أستطيعُ المُرافعة عما أختار، فإنني سوف أقترح بدايةً كتاباً للرواية، وكتاباً للقصصِ القصيرة، وليست القصيرة جداً، فلي وجهة نظر في هذه الأخيرة.

وإن كان لي حقّ الإشتراط، فإنني أشترط أن يكون الكتابُ معبّراً عن الإلتزام بالهمّ الوطني في ظروفٍ تتعرّضُ فيها سورية وكثير من الأقطار العربية إلى غزوٍ منظّم يستهدفها راهناً ومَصيراً.

ثانياً.. أن يكون الكتابُ تعبيراً عن أصالةٍ، لا أن يكونَ بلغةٍ مُستعارة، بجماليات مُستعارة، وأن يكونَ رافداً للأدب العربي المعاصر ومُرتكزاً إليه ومبشّراً بمستقبله.

ثالثاً.. أن يكونَ صاحبه، أو أصحاب الكتاب، من ذوي الموهبة العاملة على تطوير إمكاناتها من نَصٍّ إلى آخر، في الشعر كما في السرد، ولا أشترط عمراً.. إذ يبدو أنّ الكثيرين من الموهوبين والموهوبات في وطننا قد دُفِعوا إلى الظلّ بفعلِ الإضاءة على الآخرين، أو بفعل عدم الإنتباه.. فبعضهم أصدَرَ عدة مجموعات قصصية، أو شعرية، أو روايات، ولم يتسَنّ لها أن تكونَ حاضرةً في المُتابعات الثقافية، وأنّ هؤلاء غالباً ما يقطعون من قوتِهم أو قوتِ عيالِهم ليطبَعوا وينشروا نتاجاتهم، ورغم ذلك، مازالوا في ظلِّ المَشهَد.

ومن هنا، فقد اقترحتُ على نفسي أن أقدِّمَ لروايةٍ هي الآن مخطوطة بين يديّ، صاحبتها شاعرة وروائية، أصدرَت حتى الآن عدداً من الروايات ومجموعة شعرية واحدة..

صاحبة الرواية ليست شابة، وليست جديدة إلاّ من حيثُ أنها تكتب منذ مايزيد على الأعوام العشرين.. تابَعتُها في بداياتها من خلال برنامجي الإذاعيّ /عالمُ الأدب/ الذي استمرّ أكثر من خمسةٍ وثلاثينَ عاماً، كان فيها مَعنياً بالمبدعين الشباب والمبدعين الجدد، وقد ضمّت لائحةُ الشرفِ فيه أكثر من عشرين مبدعاً حصلوا على جوائز عربية ومحلية بعد أن كانوا مجرّد هُواة، لكنهم ثابَروا على تطويرِ مواهبهم وبَلوَرَةِ إمكانياتهم، فوصلوا إلى بُرهةِ الإنطلاق إلى فضاءِ المَشهدِ الثقافيّ في سورية.. وفاطمة صالح واحدة من هؤلاء.. عنوانُ روايتِها /إلى اللقاء يا أمي/ وهي أقرب إلى سيرة ذاتية في وعاءٍ روائيّ يسردُ للمُتلقّي يوميات سيدة تجلس إلى جوار أمها النائمة تحت وطأةِ /الكوما/ وتحدّثها عن ذكرياتها في ضيعة /المريقب/ القريبة من الشيخ بدر التي تضمّ ضريحَ الشيخ والشاعر العربيّ السوريّ /صالح العلي/.

وفي هذا السردِ المُمتِع تستحضِرُ أيضاً سيرةَ أبيها وذكرياته وحالته يوم كانت تعتني به وهو في حالةٍ شبيهةٍ بحالةِ الأمّ.

كلّ ذلك يتمّ على خلفيّةِ ما تعرّضتْ له سورية منذ الثمانينات يوم فقدتْ أيضاً أخاها الذي استُشهِدَ في خِضمِّ تلك الأحداث في حلب.. وصولاً إلى حالةِ سورية الراهنة وصراعِها مع الغزو القادم من الخارج مدعوماً بأعداء الإمبريالية من غرب متوحِّش.. ومال نفطيّ رجعيّ يستهدفُ سورية التي ضُرِبت كلّ الأهداف فيها، باعتبارها أهدافاً مُسجّلة على أجندة العمليات الصهيونية.

وإذ أقرأ الرواية، وأنا أسميها عملاً روائياً بامتياز، على الرغم من خصائص السيرة الذاتية فيه، حيث الشخصيات تحمل أسماءها الحقيقية كما في الطبيعة، في المكان والزمان.

وبما أنني زرتُ الشيخ بدر عدّة مرات، والمريقب، والتلال المحيطة، وضريح القائد الشيخ صالح العلي، فقد كنتُ في حالة تلقٍّ للرواية كما لو أنني أعيشها، فأنا أعرف والد فاطمة وزوجها وإخوتها والعائلة كلها تقريباً..

وكثيراً ما أسمَعَني أبوها الراحل، رحمه الله، بعضَ شِعره . فقد كان شاعراً أجّلَ نفسَهُ بعدَ عودتهِ من هِجرة إلى الأرجنتين، حيثُ أعادَهُ الحَنينُ إلى الشيخ بدر مَحمولاً على شوقٍ للإستقرار في وطنه.

قلتُ إنّ الروايةَ قد قدّمتْ لي كلّ المناخاتِ التي عشتُها، إن في مدينة الشيخ بدر، أو في مُحيطِها، كما أنني شاركتُ في دبكاتِها.. منها إلى صافيتا.. واستمَعتُ إلى العتابا والميجنا فيها.. كما شاركتُ في المهرجانات التي أُقيمتْ لتكريم القائد الشيخ صالح العلي.. وبالتالي، فإنّ الرواية أخذتني إلى فلسطين، وإلى قريتي فيها، حيث الإيقاعُ الغنائيّ الموروث فيها هو ذاتُه في الشيخ بدر، وحيث العلاقات والجيرة والكرم والتقدّم والتراجع والمُراوَحات هي ذاتها على صعيد المجتمع الصغير.

فاطمة صالح في هذه الرواية، تهدمُ الجدران حول المريقب، وقرى الشيخ بدر، والمنطقة.. باستقبال ووداع شهداء سورية المُحاربين الأشدّاء، والجرحى، والتوّاقين إلى العودةِ إلى مواصَلةِ معركةِ الوطن.. من هنا، فقد اقترحتُ على نفسي  المُبادَرة لتكونَ هذه الرواية كتاباً مُرافِقاً لمجلةِ المعرفة السورية، شاكراً للصديق الدكتور علي القيّم تكليفي بهذهِ المَهَمّة.

صحيفة الثورة2015/7/16)

-ممتاز. الحمد لله. ألله يوفقه، ويستر آخرته.

-آمين.

_____________________________________________________

في المغرِب، كنا غريبَين.. بصعوبةٍ بالغةٍ نستطيعُ أن نفهمَ اللهجةَ البربرية، لنتفاهَمَ مع المغاربة اللطيفينَ..

بعدَ وصولِنا إلى (أغادير)، وقبلَ أن نستأجرَ بيتاً.. سكَنّا لعدّةٍ أيام، في فندق (نَزل) وكنا نحضِرُ جبنة (كيري) وزيتون (ماسة) وغير ذلك، ونفطر، أو نتغدّى، أو نتعشّى طعاماً نعرفهُ، مع (النيغرو) وهو الشاي الأسود.. لم أكنْ أحبّ (الأتاي) كثيراً.. وهي الشراب الشعبي المعروف في (المغرب)، أوراق شاي خضراء مُجَفّفة، مع كمية من النعناع الأخضر، يُغلى الماءُ، ويُصَبُّ فوقَ الأتاي والنعناع، في إبريقٍ فضّيٍّ مُخصَّصٍ لهذا الشراب، يغطّى، ويُترَكُ قليلاً، ليختمِر، ثمّ يُصَبُّ في كؤوسٍ زجاجيةٍ ناعمةٍ ورقيقة، وتُقَدَّمُ مُكعَّبات السكّرِ في صحن صغير، على صينيّةٍ فضّيّة.. تقدّمُ مع الأتاي، كمية من اللوز المجفف والمقشور، وغالباً، نوعٌ، أو أكثر من الحلويات الشعبية الخفيفة، المصنوعة بزيتِ الزيتون المَغربي، أو زيت (الأورغان) أو الزبدة.. كثيراً ما كنتُ أحبُّ هذهِ الحلويات الخفيفة، واللذيذة..

أتناوَلُ الآن، من الصحنِ الزجاجيّ الصغير، بعضَ حَبّاتِ الفستقِ الأخضرِ، الذي كنتُ قد اشتريتُهُ من مدّة، بنصيحةٍ من صديقتي المُهندسة، التي زرتُها حينَها، حيثُ كانَ زوجُها في دَوْرَةٍ في دمشق.. وبعض حَبّات بذر (دوّار الشمس) غير المُحَمَّص، وبذر صغير مالِح.. كأسُ الماءِ أمامي..

قبلَ قليل، سألتُ أختي على الخَلَوي، إن كانت زعلانة مني لأنني لم أعَزِّها بوفاةِ سلفِها، سوى على الهاتف، أجابتْ بالنفي، أبداً، وأنّ اليوم (أسبوعهُ) رحمهُ الله.. أخبرتُها أنّ ظهري كان يؤلمُني، وأنني لم أكنْ قادرة على ذلك، وسأعزّيهم، إن شاءَ الله، بعدَ الأسبوع.. وأيضاً، تواعَدتُ مع صديقتي أننا سنؤدّي واجبَ التعزيةِ بالشهيدِ الغالي (كِنان نديم سليمان) اليوم..

في السوق، سَلّمَ عليّ إبن أخت زوجي.. تبادلنا عبارات المحبة والإحترام.. سألتُهُ – بيأس – عن الغالي (شادي) امتقَعَ وَجهُهُ وأجابَني بما أعرف.. مازالَ في حالةِ سُبات.. لا يشعر.. ولايعي أيّ شيء.. (بيفرجها ألله).. قبلَ قليل، قرأتُ على الفيسبوك، خبرَ ارتِقاءِ عدّةِ شهداء (يمكن، خمسة) من قريةٍ قربَ صافيتا، أثناءَ عمليةِ تطهيرِ بعضِ المناطِق في (ريفِ حَماه ).. رحمهم اللهُ أجمعين..

____________________________________________

سافرنا مرّتين، أو ثلاث، إلى طنجة، لم نكن نقصدها، بالضبط، سوى أول مرة، أرَدنا فيها زيارة قريبنا (كاميلو) (أبو علي) وكان زوجي قد وَعَدَ أختَهُ وعائلتها، أنه سيزورهُ ويطمئنّ عليه، ويُبلِغهُ أمانةً من أختهِ، قد تكونُ سلاماً، فقط، لم أعُدْ أذكر..

سافرنا بالحافلة، شركة (طان طان) أو (صاطاس) دُختُ أثناءَ السفر، كانتِ المقاعِدُ ضيّقةً، والسّفرُ طويل، أكثر من عشر ساعات سفر، شبه متواصِل.. صِرتُ أشعرُ بالمَيلِ إلى الإقياءِ، كلّما قرأتُ اسم (صاطاس)أو(طان طان)..كلب بافلوف..!!ههه..

أثناءَ ركوبنا حافلة النقل الداخليّ في طنجة، خفتُ جداً عندما لمحتُ مع الراكبِ الذي يجلسُ في المقعدِ الذي أمامنا مباشرةً.. كان يبدو عابِساً، وذو ذقنٍ طويلة، وبين يديهِ صحيفةٌ، قد يكون اسمها (الرسالة) أو (الدعوة).. يقرأ فيها بتمعُّنٍ، مواضيع ذات عناوين مُخيفة، تدلُّ على حِقدٍ وضغينةٍ على بلَدِنا سورية الغالية، وعبارات تكفيرية، طائفية، لم نعتَدْها في بلَدِنا.. لكَزَني زوجي، وأشارَ لي أن أصمت.. لم نأتِ بأيّةِ حرَكة، ولا حتى كلمة، كي لا تظهرَ هُويّتُنا السورية.. الآخرون غيرُ مُبالين..

نزلنا في مكانٍ ما في المدينة، أخرَجَ زوجي العنوان، وراحَ يسألُ كلّ مَن يراه، إن كان يستطيعُ أن يدلّنا على بيت (المُهندِس السوريّ كاميلو علي)، وبعدَ مدّةٍ ليست قصيرة، اهتدَينا إلى دارٍ، قد تكونُ دارَ (كاميلو).. طرَقنا الباب، فتحتْ لنا عجوزٌ شقراء، وجهُها يدلّ على الطيبة، لم تفهم علينا، لكن، ما إن سمعَتْ اسمَ (كاميلو)و (سورية) حتى نادَتْ مَن في الداخل.. جاءَ كاميلو.. لم نعرفهُ، ولم يعرفنا.. وكيف نتعارفُ، ولم يسبقْ أن رأينا بعضَنا، حتى ولو مَرّة..؟!! لكنهُ رحّبَ بنا، وزادَ من ترحيبهِ عندما عرفَ أننا من (سورية).. دَعانا إلى الداخل، ونادى زوجَتَهُ وطِفلَيهِ، ليعرّفهم علينا.. جاءتْ زوجَتُهُ الإيطاليةُ اللطيفة الناعِمة (فيليا) من بَلدة (كَرّارَة) المعروفة، والمشهورة على مُستوى العالم، بإنتاج الرّخام، كما حَدّثتني لا حِقاً، بلهجَتِها المغربيةِ التي يصعبُ عليّ فَهمُها، لكنّ دفْءَ (فيليا) وعفويّتَها وصِدقَ مَحَبَّتِها، كان أرقى لغةٍ نتفاهَمُ من خلالِها.. أذكرُ أنها، مرّةً، وهي تضعُ لنا الغداءَ على الطاولة في الصالون الصغير، أجابَتني – بمُنتهى الصدقِ والعَفوية، وربما، الثقة بي – : (كاميلو قالَ لي أنكم في سورية تأكلونَ كثيراً من الطعام )، عندما قلتُ لها أنّ الطعامَ الذي تقدِّمهُ كثيرٌ جداً..!! ضحكتُ.. وابتسَمتِ، يا فيليا الغالية..

بصعوبةٍ، استطعتُ إفهامَ (كاميلو) مَن أكون، وأنني ابنةُ إبنةِ (الشيخ سليمان صالح) ، الذي كان يعيشُ مع زوجتهِ، وابنتِهِ الوحيدة (أمي) في الأرجنتين، مدينة الروخاس، قرب العاصمة بوينوس آيرس.. لم يكن يعرفُ أمي، لكنهُ يعرفُ جدي، وجدتي، معرفة ليست متينة.. إنهُ من الجيلِ الثالثِ من العربِ السوريين الذين يسكنون الأرجنتين، حيثُ هاجَرَ أجدادُهُ إلى تلكَ البلاد، في مَطلع القرنِ العشرين، واصطحَبوا معهم بعضَ أطفالِهِم إلى (بلادِ الذهب) الذي سيغرفونهُ بأيديهم، ليعودوا بهِ إلى أوطانهم، ويعيشوا عيشةً كريمةً خاليةً من العَوَزِ والفقرِ، الذي رزَحوا تحتَ نيرِهِ قروناً عديدةً، من حكم الإستعمار العثمانيّ البغيض، ثمّ تلاهُ الفرنسيّ والبريطانيّ، ولم يرحَلوا عن ترابهِ قبل أن يُنشِئوا لهم قاعِدَةً استيطانيةً في أهَمّ جزءٍ من المنطقة، أسموها (إسرائيل) وقد نشأتْ على قتلِ وإبادةِ وتهجيرِ شعبٍ كامِلٍ كانَ يسكنها منذ قرون عديدة، ومايزالُ بعضُهُ متمسّكاً بأرضِهِ، لا يبرَحها.. اسمهُ (الشعب الفلسطينيّ) الذي ارتَكَبوا بحقّهِ أبشعَ المَجازِرِ، التي سَجّلَ التاريخُ بعضَها، وما يزالُ بعضُها الآخرُ ينتقلُ شفهياً من جيلٍ إلى جيل..

أخبَرَنا (كاميلو) عن مُعاناتِهِ عندما أرادَ أن يعودَ إلى (وطنهِ الأصليّ) (سورية) التي تربّى على حُبِّها وعلى الرغبةِ بالعيشِ فيها، والنهوضِ بها.. وكانَ يحملُ عدّةَ شهاداتٍ جامعيةٍ، وبراءةَ اختراع.. أرادَ أن يخدمَ بها وطنهُ الأم.. لكنّ العراقيلَ كانت تحولُ دون تحقيقِ حُلمِهِ الذي رَبّاهُ أهلُهُ عليه.. قيلَ لهُ في (وزارةِ الخارجية) على ما أظنّ، أنهُ قد يكونُ (عَميلاً)..!! وقد سَبَقَ لهذا الإسم (المُدّعى) أن كان اسماً لعَميلٍ صهيونيٍّ خطير، اسمُهُ الحقيقيّ (كوهين)..!!

كانَ مَقهوراً من ذلكَ، جداً.. بحَثَ عن وطنٍ يسكنهُ، ويعطيهِ من عِلمِهِ ومَعرِفتِهِ، ويعيشُ فيهِ بكرامة.. اهتَدى إلى (طنجَة) وتزوّجَ من ابنةِ صاحبِ المَصنعِ الذي كانَ يعملُ به، ودخَلَ شريكاً لصاحِبِهِ فيه، وتبادَلا الثقة، والأمانة.. وهو الآن يسكن مع أسرتِهِ وأم زوجته العجوز اللطيفة، في بيتِهِ الصغير، بعد أن توفيَ صاحِبُهُ، وسَلّمَهُ الأمانة.. وبعد سنوات، انتقلَ منهُ إلى بيتِهِ الحديث..

أخبَرَتني (فيليا) هامِسَةً، أنّ زوجَها أصبَحَ (صْعيب بزّاف) لكنهُ مستقيم، وأهلٌ للأمانة، وعاملٌ جادٌّ، وذو ثقة.. لكنهُ أصبحَ صعبَ المِراسِ، ويعاني من نوباتِ الشقيقةِ الحادّة، بعدَ أن رأى، واكتشَفَ بأمِّ عينِهِ، ولَمْسَ اليد، أنّ أصدقاءهُ السوريّين المُقرَّبين منهُ جداً، والذين تبادلَ معهمُ الثقةَ منذ سنواتٍ طويلة، صاروا (يحفرونَ من تحتِه) ويخونونهُ.. هم شُرَكاؤهُ في المَصنع، لكنهم ينتسبون إلى (الإخوان المُسلمين)، وتأكّدَ أنهم صاروا يعملونَ ضِدّهُ، ويتعامَلونَ معهُ على أساسٍ طائفيٍّ بغيض، وغير مُتوَقَّع..!!! لم يظهَروا على حقيقتهم، سوى عندما نَفَثَ (خُوّانُ المُسلِمينَ) سُمومَهم على المَلأ، في حوالي منتصَفِ السبعيناتِ، وماتزالُ جرائمُهم تزدادُ، وتزدادُ خِبرَتُهُم بها، ويزدادُ عَدَدُ ضَحاياها، منذُ أن وَقَّعَ (السّادات) مع العدوِّالصهيوني (اتفاقية السلام) المزعوم، المَنسوبة للمكانِ المَشؤومِ الذي وُقِّعَتْ به (كامب ديفيد) وكامب تعني (مكان) أو (مدينة) و (ديفيد) تعني (داؤود)..!!

وأضافتْ الغالية (فيليا) أنها تفهَمُ مُعاناةَ زوجِها المُخلِص، وتحبهُ، وتداريه.. ولذلكَ تصبر، لكنها حزينة من أجلِهِ جداً.. وهو كذلكَ يحبها ويقدِّرُ لها صَبرَها، وللتخفيفِ عن العائلة، يصطحبهم بينَ فترةٍ وأخرى، إلى مكانٍ مُريح، يأخذون فيهِ قِسطاً من الراحة، بعيداً عن همومِ العمَلِ ومشاكلهِ المستعصية.. وأنهُ مؤمنٌ، ويصلّي ويصومُ ويقرأ القرآن الكريمَ.. ويختلي بنفسهِ ليدعو الله بما يريد…. لكنّ (أصدقاءهُ) خانوه، تضامُناً، أو تكامُلاً مع ماترتكبهُ عِصاباتُ الإخوان في سورية..!!!!

____________________________________________________

قبل قليل، اتصلتُ بواسطةِ جهازيَ الخلويَ، بالغالية (إيمان ).. لم تعرفيها يا أمي.. ولم يعرفها (عمّها ) أبو (أنس ).. طمأنتني أنها بخير، وأن أنس عندنا في القرية، وأنّ أخاها عندها، وأنّ الطبيبةَ أخبرتها أنّ عليها الإنتظار أسبوعاً، أو أسبوعَين، حتى يحينَ موعدُ ولادَتها.. قلتُ لها : لعلّ الجنين الغالي ينتظر أن يرى النورَ لأولِ مرةٍ، إلى موعِدِ عيد ميلادِ جدّهِ (اسماعيل )..!! سألتني : متى.؟! أجبتُها : في الثامن والعشرين من تموز.. قالتْ : أنا سأنهي شهريَ التاسع في نفسِ الوقت.. دعوتُ اللهَ أن تلدَ بالسلامة. وأن يكون المولودُ بخير، وأن يَسعَدَ بهِ أبواه وعائلته، وأن يكونَ بارّاً بهم.. آمين.

( وَلَدَت’ “فادي” في مشفى جوريّة في طرطوس، في الثلاثين من تموز 2015م)

______________________________________________

( إزرع جميلاً، ولو في غيرِ موضِعِهِ.. فلا يضيعُ جميلٌ، أينما زُرِعا

إنّ الجميلَ، وإن طالَ الزمانُ بهِ.. فليسَ يحصدُهُ، إلاّ الذي زَرَعا )

ألله يرحمك يا أمي

كم كنتِ تردّدين على مسامعِنا هذه النصيحة..!!

وأذكرُ أن الغالي أبي كان يدعو بصوتٍ مُرتفع، مُتوَجِّهاً نحوَ عُمقِ الكون، بروحهِ الطيبةِ المؤمنة:

( رَبِّ قَوِّني بالإيمان )

وغير ذلك من الأدعية.

 

____________________________________________________

لا أذكرُ في أيةِ غرفةٍ من البيتِ القديم وُلِدَتْ أختي التي تصغرني بسنتين وثلاثة أشهر (آمال ) في الثاني عشر من كانون الثاني (يناير) عام (1956م).. لكنني أذكرُها وهي في عمرعدة أشهر، وقد ذكرتُ ذلكَ في الجزءِ الأول من هذهِ الرواية الذي أسمَيتُهُ (إلى اللقاء يا أمي)

_____________________________________________________

من سنوات، يا أمي، كتبتُ النصّ التالي:

( هُويّتي..!!

____________

 

عَشقتُها.. والعاشقُ يَميلُ إلى الذّوَبانِ في المَعشوق، بقدرِ ما يكونُ عِشقُهُ صادقاً..

عَشقتُها.. ولا أدري إن كانت هي – أيضاً- تعشقني..

فالحبُّ الحقيقيّ، ينمو دائماً.. حتى ولو كانَ من طَرَفٍ واحِد..

لكنّ حُلُمَ العاشِقِ، الأبَديّ.. يبقى، أن يُبادِلَهُ المَعشوقُ الحُبَّ.. وبنفسِ القدر..

فلا يكتمِلُ الحُبُّ، إن لم يتّحِدْ طرَفاه.. العاشقُ، والمَعشوق.. ويذوبا مَعاً..في مكانٍ، يُصبحُ لا مَكاناً.. وزمانٍ، يُصبحُ لا زماناً..

إنهُ الخلود.. إنهُ الأبَديّة..

أبكي كثيراً، عندما لا أعَبّرُ لها عن حُبّي.. فتبادِلُني بالصّمْتِ، أو، التجاهُل.. أو، أنني أنا التي أطمَحُ منها إلى البَوحِ المُباشَر، وبوضوحٍ أكثر.. كي أتأكّدَ أنها تحبّني..

ربما هي ترى أنّ ذلكَ غيرُ ضروريّ.. فالحُبُّ لا يُعرَّف..

إنهُ شعورٌ بالرِّضى، والطمأنينة، عندما تلتقي بمَن تحبّ..

وقد تدّعي أنّ الحبَّ ليسَ قولاً مُباشِراً، فقط.. فكثيراً ماكانتِ كلماتُ الحُبِّ، خاليةً من مَضمونِها.. لذلكَ، هيَ تُترجِمُ حُبّها لي، من خلالِ أفعال.. ربما لا تُتعِبُ نفسَها بالتعبيرِ عنها بالكلام.. لأنها تظنُّ أنّ الكلامَ عاجزٌ عن ترجَمَةِ العواطف..

هل هيَ مَنْ تقولُ هذا الكلام..؟! أم أنا التي أقولُه، لأوهِمَ نفسي أنها تحبّني.. فيمنحُني حبُّها مُبَرِّراً لوجودي.. ودافِعاً لي للإستمرار، في هذهِ الظروفِ القاسية..؟!

***

سأرسمُ لها عِدّةَ صورٍ، ماتزالُ عالقةً في نفسي.. سأحاولُ أن أكونَ مُحايِدَةً، وأكتب تحتَ كلِّ صورةٍ، عِبارَةَ (بدونِ تعليق)..

لن أجبرَكَ أن تحبّها، كما أحبَبْتُها أنا.. فقد تكونُ مَعاييرُ حبّكَ، مُختلفةً عن مَعاييرِ حبي..

فقط.. أرجوكَ –قارئي العزيز- أن تتمَلّى وَجهَها.. وأن تعيرَها بعضَ اهتمامِك.. عَلّكَ تعرفها.. فتصبح صديقتَك..

***

ثلاثُ مَراحِلَ، مَرّتْ بها خلالَ القرنِ العشرين.. سأحاولُ أن ألتقطَ لها عَدَداً منَ الصّوَر، في كلِّ مَرحَلة..

وسأبدأ مع بدايةِ القرن..

وقبلَ أن أبدأ بالتصوير.. سأخبرُكَ – عزيزي القارئ – أنني رأيتُها، مَرّةً، تائهة.. ضائعة.. ممَزّقةَ الثياب.. مريضة.. باكية..

تقدّمتُ نحوَها، بحنوِّ العاشق.. شَهَقَتُ، عندما رأيتُها على تلكَ الحالة.. سألتُها : – مَنِ الذي فعَلَ بكِ هذا..؟! لكنها لم تُجِبْ..

ألحَحْتُ عليها :

– باللهِ عليكِ.. قولي لي.. ماذا بكِ..؟!

– وما الذي ليسَ بي..؟!

تنفّسْتُ ملءَ رئتيّ.. استعَدْتُ استقامَتي.. تهَلّلَ وجهي، عندما أجابَتني على سؤالي..

لمَحْتُ منها بعضَ الثقة.. فسألتُها – بحَذَر – :

– ما الذي يُشقيكِ أكثر..؟!

قالتْ :

– هُويّتي..

– وما بها هُويّتُكِ..؟! هل فقَدْتِها..؟!

– مَزّقوها..

طمأنتُها :

– لا تخافي.. معي منها الجزءُ الأكبَر..

التفَتَتْ إليَّ، باستغراب..

ابتسَمْتُ..

لكنّها لَوّحَتْ برأسِها، غير مُصدّقة..

هَزَزْتُ رأسي عِدّةَ مَرّاتٍ إلى الأمام، كي أؤكّدَ لها قولي.. لكنّها أشاحَتْ بوَجهِها عني، وأسرَعَتْ لاهِثَةً..

نادَيتُها :

– حبيبتي..!!

لم تلتفِتْ.. ولم أيأسْ..

أسرَعْتُ خلفها.. نركضُ بينَ الجبالِ، وفي الوديانِ، وعلى التلال..

عَلِقَ رِداؤها الطويلُ في أشواكِ العَوْسَج.. كانتْ فرصَةً مناسِبة، لألتقِطَها من شَعرِها الذي كانتِ الريحُ ترسِلُهُ نحوي بتماوُجٍ يزيدُهُ جَمالاً وفِتنة..

صَرَخَتْ.. وفتَحَتْ فمَها..

فحَوّلتُ أصابعي شَبَكَةً فوقَ شَفتيها.. مَنَعْتُ عنّي شَتيمَةً مؤكّدَة..

كانَ التعَبُ والإرهاقُ قد نالَ منّا نحنُ الإثنتين..

أمسَكْتُها من خصرِها.. وجَلسنا في ظلِّ شجَرَةِ بَلّوطٍ مُثمِرة..

ألقتْ برأسِها المُثقَلِ على كتفي..

سألتني :

-لماذا تطاردينني..؟!

-لأنني أحبّكِ..

رَمَقتني بعَينينِ مَنَحَهُما التعَبُ المزيدَ منَ البريقِ والسّحر..

نزلتْ دَمعَةٌ فوقَ صخرةٍ سوداء.. كادَتْ تثقبها..

بأصابعيَ العاشقة، مَسَحْتُ خدّيها..

رَفَعَتُ كَفّها المُلقى على فخذي.. قَبّلتُهُ منَ الجهَتَين..

استكانتْ قربي..

شعَرْتُ بثقلِ جسمِها فوقَ جَنبي.. لكنّها مَنَحَتني المزيدَ منَ الدفء..

***

– أيلولُ، يمنحُنا المزيدَ منَ الحزن..

– بل، المزيدَ منَ القلقِ، والشفافية..

– أيلولُ، يُبكيني.. لا أعرفُ لماذا..؟!

– بل، هو يدفعُنا للتفكير.. يُحثّنا على تدارُكِ ما فاتَنا.. فيمنحُنا التجَدُّد.. يبعثُنا من رَمادِنا..

– أنتِ حالمَة..؟!

– وهذا مُبَرّرُ وُجودي..

– أحلامُ الشعراءِ، أوهام..

– بل، هيَ مُقدّمَةٌ للواقِع.. وأنا أحلمُ أنكِ ستستعيدينَ هُويّتَكِ.. فالطغاةُ لم يُمزّقوا منها إلاّ الوَرَق..

***

صورة1

كانتْ “كلثوم” تحملُ جَرّتَها، تقصُدُ “عينَ الحَبَق”، عندما لاحَقَها الجنديُّ الفرنسيُّ “العَبْد” منَ المُرتَزَقَة “السنغاليّين”.. لَكَزَها في ظهرها.. فأسرَعَتْ أكثر.. أسرَعَ خلفَها، وبندقيّتُهُ في كتفِه.. لاحَقَها حتى وصلتِ العَين، وهوَ يُراوِدُها عن نفسِها، وهيَ تهربُ منهُ، ولا تظنُّ أنَّ لها مَفرّاً.. فهوَ يحملُ سلاحاً قاتِلاً، وعضلاتٍ مَفتولةً، وجوعاً قديماً لامرأة..

استنجَدَتْ “كلثوم” بالمَزارِ الذي تحيطُ بهِ غابةٌ منَ السنديانِ العتيق :

-دَخيلَكْ، يا “شيخ غنّام”.. احمِني.. وابعِدْ شَرَّ هذا العَبْدِ عنّي..

وهُرِعَتْ لتختبئَ خلفَ الصندوقِ الحَجَريِّ الذي يرقدُ تحتَهُ جثمانُ الشيخِ الجَليلِ، الذي كانَ ينصُرُ المَظلومينَ في حياتِه.. وما يزالُ يلوذُ بمقامِهِ كلَّ مَظلومٍ، أو مُحتاج..

شيءٌ ما.. ربما خشوع.. أو خوف.. أو بقيّةُ أخلاقٍ، رَدّتِ الجنديَّ عائداً من حيثُ أتى.. رأتهُ “كلثوم” مُطأطئاً، يركُلُ الحَصى فوقَ الدّربِ العائد، واليأسُ والخزيُ يزيدُ من قَتامَةِ وَجْهِهِ، وانكِسارِه..

حزنَتْ عليه.. فواسَتْهُ، بصوتها الحنون :

(-يلعنْ أبو صاحبو.. مو دارِجْ عندنا..)

ملأتْ جَرّتَها بسلام.. قَبّلَتْ صندوقَ المزارِ.. ونذَرَتْ أن تشعِلَ البَخورَ فوقَ مقامِهِ، عندَ عَودَتها الثانية..

***

صورَة2

عندما داهَمَ أحدَ بيوتِها، الجنودُ العثمانيّونَ القُساة.. عَلَّ أحَدَ الرجالِ ما يزالُ مختبئاً في أحِدِ البيوت.. إنهم يجمعونَ الرجالَ ليرسلوهم إلى الجُنديّة الإجبارية، لمُحاربةِ أهلهم وأبناء وطنهم،أو..!! كمُرتزقة..

كانَ اثنانِ منَ الرجالِ مُختبئَينِ في الدار.. يحاوِلانِ حِراسَةَ الأطفالِ والنساءِ والعجائز والمَرضى، والمَؤونةَ القليلة.. وعندما سَمِعَتْ “سَليمَة” أصواتَ أقدامِ جُندِ الأعداءِ تتقدّمُ باتّجاهِ بيتِها.. هي التي اعتادَتْ على تمييزِ الأصواتِ بفِراسَةِ امرأةٍ جَبَليّة، استدعَتها الحاجة.. أومأتْ للرّجُلَينِ بالإختباءِ في غرفةِ التّبْنِ، خلفَ الدّوابّ.. وأمسَكَتْ “بَدْرَة” ابنةَ جيرانها، ذات الثلاثةَ عشرَ عاماً.. والتي كانتْ تستعيرُ رَغيفَ خبزٍ، وبعضَ “الرّوْبة”، بسُرعةِ البَرْقِ، وَضَعَتْ يَدَها على فمِ الشّابّةِ الصغيرة.. وأمسَكَتْها من كَتِفها، ووضَعتها تحتَها، وجلسَتْ فوقها، كأنها تجلسُ على “قِرْمَةِ” حَطَبٍ، أو “جَلّوق” فوقَ كُرسيٍّ عتيق.. فرَشَتْ ثوبَها الواسِعَ فوقَها.. وأمَرَتْها بالهُدوءِ التامّ.. صاحَتْ بالجنود :

-لماذا تفعلونَ هذا..؟! قلتُ لكم، ليسَ لدَينا رِجال..!!

لكنّهم واصَلوا البَحْثَ، وتكسيرَ “السّدادينِ” المصنوعةِ منَ الطينِ والقَشّ، وإفراغِ مُحتَوَياتِها منَ الحُبوبِ، فاختَلَطَ طعامُ البَشَرِ، بعَلَفِ الحيواناتِ، وروثِها.. والأبقارُ، والأنعامُ تعجُّ وترتعِدُ خوفاً من هؤلاءِ البهائمِ، أو، الوحوشِ الهائجة..

-أينَ زوجكِ..؟!

-ولماذا تلكزني هكذا..؟! قلتُ لكَ ألفَ مَرّة، أخَذتموه.. أخَذتموهُ، ولمْ يَعُدْ.. فلماذا تُتعِبونني بالبَحثِ عنهُ مُجَدَّداً..؟!

لَكَزَها ثانيَةً في صَدْرِها.. صاحَتْ به :

-يلعن أبوك.. اخرج الآن..

وخَرَجَ.. بل، خَرَجوا بَعدَما خَلّفوا البيتَ مَقلوباً رأساً على عَقِب.. قامَتْ “سَليمَة” من فوقِ “بَدْرَة” التي كانَ وَجْهُها كالبَدْر.. أعطَتْها حاجَتَها، ورافَقَتها، مُخفيَةً إيّاها تحتَ ثوبِها، حتى دَخَلَتْ بيتَهم..

ظلّتِ المَرأةُ تُواعِدُ الجنودَ، مَرّةً بعدَ أخرى.. لكنها وُعودٌ خادِعَة.. كانتْ توهِمُ أحَدَهُمْ، أنها مُلْكُ صديقه.. فيخشى الإعتداءَ على “مُلْكِ” مَنْ هوَ أقوى منه.. لكنها – في الحقيقة – لم تكنْ صَديقَةَ أحدٍ، ولا مُلكَ أحَد.. ولم يَمْسَسْها أحدٌ، طيلَةَ حياتِها التي تجاوَزَتِ الخامسة والثمانين، إلاّ زوجَها “محمّد”.. ولم يَعرفْ هوَ سِواها.. لكنّها – بقامَتِها الفارعَة – وقوّةِ صَوتِها، وقَسْوَةِ مَلامِحِها، وصَلابَةِ عودِها، الذي استطاعَ الصمودَ كلّ هذا العمرِ، تحتَ لهيبِ الشمسِ، وقسوَةِ الرّياح، ووُعورَةِ الجبال.. استطاعَتْ أن تُساهِمَ في “الثورَة” على طريقتِها الخاصّة.. مُخلِصَةً لمَبادِئِها.. وَفيّةً، مناضِلة، حنونٌ على الضعَفاء..

***

 

صورة3

في زَمَنٍ ما.. كانتْ حبيبتي صَبيّةً.. قد بَلَغَتْ سِنَّ النضج.. ناداها جَسَدُها.. فهَدّدَتهُ.. طرَقَ أبوابَها جائعاً.. فأمهَلَتْهُ قليلاً.. لكنّهُ مَلَّ الإنتظار.. فضَجَّ في فضاءِ روحِها.. وراحَ يصخَبُ، ويَستجدي.. استسلَمَتْ لمَطالِبِهِ العادِلة.. وراحتْ تبحَثُ عَمّنْ يَليقُ بإتمامِ المَهَمّة، وتلبيَةِ حاجاتِ ذلكَ الجَسَدِ الصاخِبِ، الصارِخ.. وعندما لم تجدْ رَجُلاً يَليقُ بذلكَ الضّجيج.. عندما لم تجدْ مَنْ يملأ فضاءاتِها الرّوحيّة.. انكفأتْ.. وضَغَطَتْ على صُراخِ ذلكَ الجَسَد، حتى كادَ يختنق..

بكَتْ عليهِ، ومِنهُ.. لكنّها هَدّدَتْهُ :

-لو قَتَلَتْكَ الرّغبَة.. بل، لو قَتَلَتنا معاً.. لنْ أُسْلِمَكَ إلاّ لمَنْ يُغذّي فضاءاتنا المادّيّةَ، والمَعنويّة.. بنفسِ القَدر.. لن يمْسَسكَ ذكَر… اهدأ.. فلا بُدَّ أن أحظى يوماً ما، بذكَرٍ، رَجُلٍ، إنسان.. يفيضُ حَناناً، ويشمَخُ عِزّةً وقوّة.. عندها، سألبّي حاجَتَنا المُشتَرَكة.. وسأتعَرّى أمامَهُ، ليكونَ رَجُلي.. رَجُلي الوحيد، الذي يُكمِلُني، وأكمِلُه.. نتّحِدُ معاً، كاتّحادِ الغيمِ بالمَطَر.. كالجبالِ بالطّرُقاتِ الوَعرة.. كاتّحادِ الزّهرِ بالأريج.. والله، معَ الحياة..

***

صورة4

عندما هَجَمَ الجَرادُ، والتَهَمَ ما خَلّفَهُ المُستعمِرُ، من أخضرَ، ويابس، وترَكَ الحقولَ، والأجسادَ، والأرواحَ، جَرْداءَ قاحِلَة.. في ذلكَ الزمَن.. حَرّمَ عُقلاؤها ذَبْحَ إناثِ المَواشي، حِرْصاً على زيادَةِ المَواليدِ، وحِفظِ الأنواع..

وعندها، أيضاً.. حَرّموا أكْلَ بعضِ أنواعِ الطيورِ، والحيواناتِ البَرّيّةِ، والبَحريّة.. كالأرانب.. وغيرها.. لنفسِ السّبَب..

وفي ذلكَ الأوانِ، حاوَلوا مَنْعَ الناسِ من رَعيِ المواشي في بَعضِ البِقاعِ الخضراءِ، أو قَطْعِ الأشجار.. ولم يجِدوا بُدّاً من تخويفِ العامّةِ، منَ الإقترابِ منْ “وَقْفِ” المَزاراتِ، أو التّعَدّي على تلكَ المساحاتِ الخضراءِ، والأشجارِ المُعَمَّرَةِ، التي تحيطُ بالمَقامات.. حِفاظاً على الطبيعةِ، ومُحاوَلَةً لاستعادَةِ التوازُنِ البيئيّ، كانتْ قدْ أفقَدَتهم إياها الحُروبُ، والجَرادُ، والأزمِنَةُ الجافّة..

احتفَلوا بالأعيادِ، على طريقتِهِمُ الخاصّة، التي تتناسَبُ معَ أوضاعِهِمُ المَعيشيّة.. جَعَلوها مُناسَباتٍ لأداءِ صلاةِ الجَماعَة.. ولمُصالحَاتِ المُختَصِمين.. ومَواسِمَ للفرَح.. يذبَحونَ فيها بَعْضَ الماشية، والدّجاج.. ويطبخونَ عليها “البُرغُل ” مع “الحمّص”.. إلى جانبِ “اليَخْنة” المكوّنة من اللحم والبَصَل والزيت.. يجعلونَ الطّبْخَ بشكلٍ جَماعيّ.. القريةُ كلّها تجتمعُ في بيتٍ واحد.. يَجمَعونَ الذبائحَ مع بعضِها، وكذلكَ البرغل والحمّص والبصل والزيت.. وكذلكَ زكاةَ المال..

هذا مالُ الله..

يُصَلّونَ جَماعَةً.. ويأكلونَ جَماعَةً.. ويوزّعونَ الزكاةَ على المُحتاجينَ، والأطفالِ، الذينَ قد لا يرَونَ النقودَ إلاّ في الأعياد.. أو، قدْ لا يتناوَلُ أحَدُهُمُ اللّحْمَ، سوى منَ العيدِ، إلى العيد.. ولأبناءِ السبيلِ نصيبٌ من الطعامِ، والزكاة..

يجتمِعونَ في شَهرِ رَمَضان، ليُصَلّوا صَلاةَ العشاءِ، جَماعَةً، في بيتِ أحَدِهِم.. يرَونَها مناسَبَةً للتلاقي، والتراضي، وفَكّ الخلافاتِ، والتفاهُمِ فيما بينهم، وتبادُلِ الأحاديثِ، والأخبارِ الخاصّة، والعامّة، في شؤون الحياة.. ثمّ يعودُ كلُّ واحِدٍ منهم إلى بيتِهِ، شاعِراً بأهميّةِ الإجتماعِ على خيرِ الجميع.. ويُرَدِّدون : (المَجالِسُ.. مَدارِس)..

كانَ العيدُ يحملُ مَعنىً إنسانياً سامياً.. ومناسَبَةً لملءِ البطونِ الجائعة، والأفواه الفاغرة.. والتكافُلِ الإجتماعيّ، الذي لم ينقطِعْ عنهُ الناسُ، يوماً.. لكنّهُ يبدو جَليّاً في الأعياد.. ويعوّضُ النّقصَ خِلالَها.. فقد تضيعُ حُقوقُ البَعْضِ، في زحْمَةِ اللهاثِ عن لقمةِ العيشِ الكريمة، فتأتي الأعيادُ لمُراجَعَةِ ما مَضى، وتصحيحِ الخَلَل، وتثبيتِ الصّح..

***

 

صورة 5

كانَ هناكَ “عِدْلٌ ” واحدٌ للقرية.. يستعملهُ الأهالي، والأفضليّةُ للأكثر حاجةً.. و “شرْوالٌ ” واحدٌ أيضاً.. يلبسهُ المُسافر.. و (تنكةُ) صفيحٍ واحدة.. وكذلكَ (تنّورٌ) واحد.. تخبزٌ عليهِ القريةُ كلّها، حَسبَ الدَّوْر.. دون أيّ خلافٍ على الدَّوْر.. فبالطبع الدّور الأول لمن (طَلَعَتْ) أيّ، اختمَرَتْ عَجنَتُها أكثر.. وكذلكَ (بئرٌ) واحِدٌ للقرية.. يستعملُ الأهالي ماءَهُ لطينِ الأسطحة.. أو أيّةِ حاجَةٍ مُماثلة..

وطينُ الأسطحةِ، أيضاً، كانَ جَماعياً.. يبدؤون بالبيتِ الأكثر حاجةً للطين.. وكذلكَ كان هناكَ (حَبْلٌ) واحد.. و (خْناقٌ) واحد.. و (كَيلَةٌ) واحدة.. و(طاحونٌ) يدَويّةٌ واحدة (جاروشَةُ) حُبوبٍ واحدة.. و (دولابٌ) واحِدٌ، لحَلِّ شرانقِ دودِ الحَرير…. إلخ..

هذهِ الروحُ الجَماعية، كانتْ تمنحُ الجميعَ الشعورَ بالدّعمِ، والإنتماءِ إلى الجَماعة.. وتُشعِرُ الجميعَ بالقوّة.. أنهُ إذا احتاجَ أيّ إنسانٍ منهم لأيِّ دَعْمٍ كان، مادّيٍّ، أو مَعنويّ.. فسيجدُ المُساعَدَةَ من أيّ شخصٍ آخرَ في القرية.. بشكلٍ عفويٍّ، طبيعيّ.. كأنهم ضمنَ عائلةٍ واحدة..

(الجار.. ولو جار)

***

كثيرةٌ هي الصّوَرُ التي التقطتُها لحبيبتي.. سأطْلِعُكَ عليها، لاحِقاً، يا قارئي العزيز..

سألتُها :

-وهلِ الهُويّةُ التي مَزّقَها الطّغاةُ، هي ما تبحثينَ عنهُ، يا حبيبتي..؟!

لماذا لم تبحثي عنها في المَعنويِّ فينا، نحنُ أبناء حَضارتكِ..؟!

هلِ الهُويّةُ إلاّ مُمارَساتِ الشعوبِ، وثقافتِها، التي تتجَلّى في علاقاتها الإنسانيةِ معَ الناسِ، والحياةِ، والكائنات، والكونِ كُلِّه..؟!

ثقي، أيتها الغالية، أنّ هُويّتَكِ محفوظةٌ في تاريخِكِ المَجيد.. في جيناتِ أبنائكِ، وأهلك، وأحفادِك.. آتيةً من مَنابِعِها النقيّة.. مُتفاعِلَةً مع الكونِ، والثقافاتِ الأخرى.. إلى حَدِّ المُساهَمَةِ في إثرائِها.. تعطي وتأخذ.. من دون الذوَبان في الآخر.. فالحفاظُ على الهُوية، ليسَ تعصّباً.. بلْ هو حِفاظٌ على الخصوصيّة.. والخصوصيّةُ جزءٌ من العموميّة.. لا تشبهُها.. بلْ، تزيدها جمالاً، وتجَدُّداً..

لماذا تخافينَ من إظهارِ هُويّتِكِ، يا حبيبتي..؟!

-حِرصاً عليها منَ الغُرَباء..

-هل اعتدَيتِ،يوماً، على حَقِّ أحدٍ من هؤلاءِ الذينَ تخشَينهم..؟!

-أبداً.. لا والله.. فقط، دافَعْتُ عن حَقي في الحياةِ الحُرّةِ الكريمةِ، فوقَ أرضِ آبائي، وأجدادي، الذينَ أورَثوني إياها منذُ آلافِ السنين..

-إذن.. أبرِزيها للعَيان.. وإلاّ اعتبَرتُكِ جَبانة..!!

-أبرِزيها أنتِ.. فقد بلغتُ منَ العُمرِ عِتيّاً.. وقد لا يُصَدّقُ الناسُ كلامَ عجوزٍ خَرِفَة..

-أنتِ لا تشيخين.. بل، تتجَدّدينَ باستمرار.. لكن.. امسَحي الغُبارَ عن وَجهِك.. فقد أخفى بعضَ مَلامِحِكِ الجميلة..

______

فاطمة صالح صالح

المريقب )

____________________________________________________

عندما نشرتُ المقاطعَ السابقة، في صفحتي على الفيسبوك، كتبَ المحامي (عبد الله مظلوم ) وهو اسمٌ مُستعار :

(•  عبدالله المظلوم (ـ هوية فاطمة بنت الريف الجبلي الفقير مادّيّاً ، الغني بأخلاقياته ، وروحانيته وطهارته ، عشقت هويتها ، واتّحدت بها ومعها ، ببراءة أهل الجبل وشموخهم ، ونبل شهامتهم ، وأرومتهم مصدر عزتهم . رغم ذوبانها كفاطمة ، وامتزاجها ككل الفاطمات في بيئتها ، بقيت كأنثى حالمة ، خارج نطاقها ، تصارع الزمن ، حتى خرجت منه ، إلى فضاءٍ ، تجاوز الزمان والمكان ، بلا أبعاد مرسومة ، تحدد رؤاها ، إلا ماترسمه تجليات حب الأنثى الملتزمة بقيم الجمال ، والوفاء لطبيعتها الأنثوية ، كوردة تفتحت في وادٍ ، أو على سفح جبلٍ تزهو ، وأريجها ينمّ عن نسق كون حياة ، خُلقت لتنمو به ، وتنمّيه بانسجامٍ وتكاملٍ ، رابطه الحب عشقاً ، كضرورةٍ ، بحكم قانون الطبيعة السرمدي . ترسم اضطراب مشاعرها ، وأحاسيسها بحذر ، كفنان ينحت بإزميلٍ وحيد السن ، على صخرة ، وجه حبيبته المفقودة ، وهو يعاني التعب ممزوجاً بألم حلمه الضائع ، وحتى لايضيع تعبه سدى ، رسم نحتاً ، لوجه حبيبته ، خمسة صورٍ أخرى ، كلٍّ منها ، تمثّل حالةً ـ حائرةً ـ خائفةً ـ باكيةً ـ غاضبةً ـ حالمةً ـ وفكّر أن يرسمها ضاحكة لاهية ، لكنه عدل ، لأنه لم يتمثّل تلك اللحظات العابرة سريعاً ، يتمدد كضباب في رؤاه ، يلف منحنى الوادي ، صورة كاد ألاّ يتذكرها . أما فاطمة ، فقد رسمت مكنوناتها بمعولٍ ؛ حفرت في عمق الذاكرة ووجه الحاضر ، لتذرع الأمل ، عله ينبت الورد الذي تحلم به لمستقبل كل الفاطمات ؛ وفي محاولتها تنسيق خطوط الزراعة ، لتبدو فنّية رغم ألوانها المتداخلة ، بدت كلطخ ملوّنة على جدران همومها ، دون أن تعطي بالاً لتلقائية رسم رؤاها ، فكانت كوقائع حيّة في وجدانها بدون رتوش فنية . فاطمة تكتب ، وتحاول الرسم بالكلمات ، لمكنونات لازالت تختزنها ، كرؤى فنية غير منسقة ، كما يقتضي بناء القصة القصيرة ، فخرجت كلوحة في مقالة ، أقرب إلى صورة وجدانية واقعية …

تحية إلى الكاتبة فاطمة صالح صالح ، وهويتها ، وأصالتها التي تتحفنا بالعزف المنفرد على أوتار وجدانها الأدبي المفعم بالخواطر والرؤى )..

______________________________________________

قد يعجبك ايضا
Loading...