جريدة الكترونية

رواية (ظلالٌ هارِبة ) الجزء الحادي عشر– الكاتبة الأديبة فاطمة صالح صالح- المريقب

عمتي ندة، بقيت عزباء، في بيت أهلها، أو بيت العائلة، الذي يديره أخوها الأكبر (صالح ) أبي، تعمل في الأرض، تفلح وتزرع وتحصد، وتدرس، وتتبّن، وتقطع الحطب وتنقله على رأسها، ككلّ صبايا القرية، من الأراضي البعيدة، أو، القريبة، وتقطع أغصان السنديان (الحْمايِة) وتنقلها، ليُكَدّسوها في مكادِس قريبة من البيوت، وتُسَيّجُ ببعضِها مَداخِلُ الحقول القريبة، و ( الدار ) وتُنشَرعليها الثياب، بعد غسلها، لتجف تحت أشعة الشمس، قبل إعادتها جافة إلى البيوت، كنا نضع بعضها في الخزانة الخشبية البُنّية، ذات الثلاث درفات، والمَسكات الهِلالية، والتي لا تُقفَل، أبداً.. كنتُ أضع كرسياً خشبياً قاعدته من القش، بجانب زاوية الخزانة من جهة الحائط الشمالي، وأصعد، وأمدّ جسمي الصغير، نحو الأعلى، لأصِلَ إلى عُلَب السيريلاك، ومسحوق الجزر، أو الحبوب المطحونة، والمنكّهة بالفانيليا، مثل الرز، والذرة، وغيرها، لأسرعَ برَشقِ عدة ملاعق منها في فمي، وأعيدَ إغلاق العلبة المعدنية، وأنزل لأذوّبها في فمي، بصعوبة بالغة، وأبتلعها بلذّةٍ بالغة، قبل أن تراني أمي، وتمسكَني، بالجرم المَشهود، وتعاقبني، لأنني أكلتُ طعامَ أخي الأصغر، الذي وصفه له الطبيب في طرطوس.. كثيراً ما عجز لعابي عن تذويب الكمية، إذا كانت كبيرة، فتلصق بسَقف حَلقي، وأكاد أختنق.. لكن المغامرة تستحق..

عمتي، وصلت إلى مابين الثامنة والعشرين، والتاسعة والعشرين، حتى تزوجت من (محمد أحمد غانم محمد ) حيث خاطت ثياب زفافها البيضاء بنفسها، كما كانت تخيط كل ثيابها، وتخيط بالإجرة، كما تساعد أمي بخياطة ثيابنا، وثيابها، وكانتا تخيطان لجَدّتيّ ( أم صالح، خديجة ) و (أم يحيَ. قَنوع ) وبعض العجائز الأخريات، ولجاراتها.. وقد خاطت لي ثياب خطوبتي، وأغلب ثيابي، بعد ذلك، حتى عندما سافرنا إلى المغرب، خاطت لي أكثر من فستان، وتنّورة، واسعة، وأخرى ضيّقة.. لكن، عندما كانت غائبة في (الرّقة ) مع زوجها وأبنائها، حيث كان (أبو نزار ) يعلّم في مدارسها الإبتدائية، كنتُ أخيطُ ثيابي في طرطوس، عند (أمّ اسماعيل ) البارعة في الخياطة.. وهي امرأة شقراء جميلة من (بْرمّانة المشايخ ) لكنها كانتْ مُغتربة في الأرجنتين، وبعد عودتها مع أسرتها إلى الوطن، سكنت في طرطوس المدينة.

_________________________________________________

أمي..

أبي..

أين أنتما الآن.؟!

أين أخي.؟!

اسماعيل..

اشتقتُ لعينيكَ، ياغالي..

اشتقتُ لغضبِ الطفلِ الذي ظلمتُهُ، فثارَ، وانتقم..

أخي..

هل أنتَ معي..؟!

أنا معك..

أراكَ.. وأسمعك..

أراقبُ حركاتكَ العابثة، الثائرة..

أُعجَبُ بها.. وأخافُ عليكَ من كلّ شيء..

أخي..

مالي تركتُ أمي وأبي لوحدهما، وصرتُ أحاورك..؟!

هل أنتَ أغلى منهما..؟!

يا نِتاجَ حبّهما الأصيل، والأول..

أخي..

سيبقى اسمي مَقروناً باسمكَ، ياغالي..

سأبقى أراكَ تصعدُ (القواميع ) في محاولاتٍ متكرّرةٍ للوصولِ إلى السماءِ، والإمتزاجِ بالأزرقِ العميق..

تُلاحِقُ القبّرات التي بَنت أعشاشَها بين الحجارة، في (أرض الوَتِت ).. تجري خلفَ صِغارِها، وكأنكَ أحدُها، ياغالي..

وفرَحُ الطفولةِ يُزهِرُ على مُحياك..

أراكَ تدعوني لأجرِّبَ سَماعَ أصواتِ أمواجِ البحرِ، الذي نعشقه.. فتدعوني لأضَعَ أذني على شقوقِ خشبةِ الهاتف على جانب الطريق بين الشيخ بدر وطرطوس، في (بيدر غنام )، وأصغي.. فتهدرُ الأمواجُ، وتعصفُ الرياحُ في فضاءِ روحي وروحكَ المُتعطّشةِ للإبحار.. للخوضِ في الأمواجِ العاتية، واستنباتِ الجديد.. في خِضمٍّ تهفو إليهِ أرواحُنا الغضّة، كأننا نبحثُ عن حياةٍ صاخبةٍ، في مكانٍ آخر.. حياةٍ تناسبُ جُموحَ روحَينا، لنحياها، بخوفِها، وأمانِها.. باحتكاكِ النقيضَينِ، كشرارةٍ عاصِفةٍ، تولَدُ منها الحياةُ الأبديةُ الخالدة..

أخي..

أراكَ تقبعُ خلفَ صخرةٍ في (قَلْع السَّكّ ) والدوابُّ تتنقّلُ بينَ الصخورِ، تحتَ أشجارِ السنديانِ، والبلّوط، وجَفناتِ البطم، باحثةً عن كَلأٍ، تتقوّتُ بهِ، لتحيا، وتُحيي.. تختبرُ جُرأتي، غيرَ واثقٍ منها.. وتُفاجأ، وتندهِشُ، عندما تراني عائدةً، ومعي زجاجتين – حُلمَين، من (السينالكو ) وأنتَ غير مُصدّق، تعاتبني، بفرَحٍ غامِرٍ، تكادُ تدمَعُ لهُ عيناكَ الغاليتانِ، وترتجفُ خوفاً، وإعجاباً، بإنجازي..

هل صَدّقتِ أنني كنتُ جاداً عندما طلبتُ منكِ أن تنزلي، وتطلبي من أبي (سينالكو ) لنشربَه.؟! وهل نحن معتادانِ على شربهِ، يا فاطمة..؟! وعندما أجيبُكَ، أنني صَدّقتُكَ، ونزلتُ أتزحلَقُ على أوراقِ السنديانِ اليابسةِ، وأتمسّكُ بالصخورِ السوداءِ، والرّمادية، حتى وَصلتُ إلى أبي في السوق، أمامَ المَقصَفِ المَبنيِّ على أرضِنا المُباعةِ (بستان الزيتون ) وقلتُ له :

اسماعيل بيقلّك، بدنا سينالكو.

وأنّ أبي، لم يغضب، بل، ابتسَمَ، وربَتَ على كتفي، بحنوّ أبٍ، وأمٍّ، واستجابَ لطلبي، وسارَعَ لشراءِ الزجاجَتين، وقد سألَ في أكثر من دُكّان، وسألني، هل أريدُ المَزيد.؟!

حبيبي..

سأغادِرُ الآن..

لكنكم في قلبي وروحي..

في كياني، الذي هو جزءٌ لا ينفصِلُ عنكم..

إلى اللقاء، يا أهلي..

فاطمة

ظهر الخميس، 3/7/2015م

 

من سنوات، قرأت سؤالا ً على الأنترنيت جاء كالتالي :

– هل ترى أن على البابا أن يعتذر من المسلمين ..؟!

_________________________________________

ومع أنني أجزم بعدم براءة أسئلة كهذه ..

وأن من يطرحها ليس هدفه الوصول إلى الحقيقة .. أبدا ً ..

ومع أنني كنتُ قد كتبتُ منذ سنوات قصيدة من ضمنها :

/ وعلى نزيف صباحِنا تقتاتُ غِربانُ العصورْ ../

أرى أن المستعمِر – دائما ً- يلهينا نحن الشعوب المستعمَرة .. والتي يغلب علينا التفكير الانفعالي .. الذي له أسبابه الكثيرة ..

ولاعلاقة للعقائد بهذا النوع من التفكير ..

لكننا عندما نندفع للإجابة عن أسئلة كهذه .. نحقق الكثير من أهداف ذلك المستعمِر .. الذي يقتاتُ دائما ً على دمائنا وأموالنا وأعراضنا .. ونحن عن كل ماعدا خصوماتنا التي يغذيها ذلك المستعمِر .. غافلون ..

ومع إيماني بأن علينا أن ننتبه إلى مسألة الوقت .. الذي يجب أن نملأه بما يؤلف بين القلوب .. وأن نسعى إلى / تنمية ورعاية كل مَزارع الخير في نفوسنا .. لنحصد مما زرعناه محبة وألفة وتآخي/ بين أبناء كل الطوائف والانتماءات .. ومن ثمّ بين الناس أجمعين ..

مع إيماني بكل ذلك .. إلا أنني كتبتُ الإجابة التالية :

__________________

{ عليه أن يعتذر أولا ً من المسيحيين ..

إن مَن لايعترف بالآخر شريكا ً له في الوجود .. عليه أن يحافظ على سلامته.. وحقه في الحياة.. بحرية وكرامة فوق هذا الكوكب ..

إن مَن لايؤمن بحرية الاعتقاد عند الناس.. كل الناس .. وحرية تطبيق تعاليم العقائد .. ولا يتدخل في خصوصيات الآخر .. إلا إذا آذاه هذا الآخر ..

إن مَن لايعتنق الإنسانية .. كمبدأ لدينه ..

هو في الحقيقة لايمثل إلا نفسه .. وعليه أن يتنحى عن مكانته كمرجعية لفئات كثيرة من الناس .. يتكلم باسمها .. على غير حق ..

المسلم الحقيقي .. يا حضرات / المراجع / لايكتمل إسلامه إلا إذا آمن بما أوتيَ موسى وعيسى ومحمد.. وكل الأنبياء والرسل .. عليهم الصلاة والسلام جميعا ً ..

والمسيحيّ الحقيقيّ هو الذي يحب الناس كافة .. ويدعو إلى السلام .. والمحبة والتآخي بين البشر ..

كالمسلم الحقيقيّ ، تماما ً..

سؤال يا حضرات / المراجع / :

– من الذي أساء للدين اليهودي أكثر ممن يدّعون الانتماء إلى هذا الدين ..؟!!! حتى صارت صفة / يهودي/ تعني / قاتل / ..

وقسْ على ذلك في كل الأديان السماوية وغير السماوية ..

الدين الحقيقي هو خلاصة حضارة الشعوب ..

ونحن المسلمون والمسيحيون الحقيقيون في هذا الشرق الجميل .. نشكل وحدة متكاملة متكاتفة .. يكمل بعضنا بعضا ً.. ونتعامل بندّية .. لايمكن أن يشعر بصفائها إلا مَن عاش في رحابها.. وتفيأ تحت ظلال سلامها ..

إن مَن يسعى إلى الفتنة .. التي هي في عرف الدين كل الدين/ أشدّ من القتل/ .. عليه أن يرجع إلى أوكار البيت الأبيض من الخارج .. الأسود من الداخل .. وهو لايمثلنا كمسلمين .. كما أنه لايمثل إخواننا المسيحيين .. نحن الذين نعيش معهم وبهم .. ويعيشون معنا وبنا .. في هذا الشرق الدافئ .. مهد الحضارات الإنسانية العريقة .. ومهبط الوحي .. إن كان سماويا ً .. أو أرضيا ً ..

انتبهوا أيها المراجع ..!!

فإن أخطاءكم .. قد تدمر شعبا ً أو شعوبا ً بأكملها .. فتكون في رقابكم كل مآسي البشرية الناجمة عن ذلك .. وعليكم أن تتحملوا عقاب الأرض والسماء ..

أرجو أن ينتبه كل من يُعتبر مرجعا ً لطائفة معينة .. أو دين معين أو حزب معين .. أو أي انتماء ..

إلى حساسية وخطورة هذا الموقع ..

فالمنصب مسؤولية .. وليس ترفا ً .. أو دُمْية ً يتسلى بها هذا المسؤول ، أو ذاك ..

أختكم بنت هذا الشرق

فاطمة صالح صالح

المريقب

17\9\2006م )

_____________________________________________

كتبتِ الغالية (دانيا يوسف ) مُعِدّة برنامج (روايات عربية ) في (إذاعة النور ) :

( رواية نبض الجذور:

ذات صدفة جميلة،تعرفت ضمن هذا الفضاء الافتراضي الى الأديبة والشاعرة السورية المرهفة “فاطمة صالح”. ابنة “المْرَيْقِب” احدى القرى الجميلة في قضاء طرطوس والتي يزيدها بهاء انها مسقط رأس الشيخ صالح العلي رحمه الله.

كانت بيننا أحاديث دافئة كدفء كلماتها وساحرة كزهورها وياسميناتها التي تزدان بها صفحتها.

وأثمن ما اهدتني اياه رواياتها الجميلة والتي انتهيت للتو من قراءة احداها:”نبض الجذور”.

عنوان يشي بمضمون عذب ينهل مفرداته وأحداثه من فكرة محورية:لن يهدأ نبض تعزف دقاته خارج محور الوطن والأرض التي منها واليها كل الحب والولاء والانتماء.

ذكريات تسردها المؤلفة بشكل توثيقي حميمي لأحداث تدور بين قرية “الخصيبة” السورية والأرجنتين.مسيرة عائلة من الجد الى الأحفاد كافحت وعانت من الفقر والغربة والاحتلالين العثماني والفرنسي الا أن هناك خيطا متينا أبى أن ينقطع وظل الرئة التي تتنفس منها حبا وعشقا للوطن والجذور.”تريدون باسم الدين تفريق أمة تسامى بنوها فوق دين ومذهب.تعيش بدين الحب قولا ونية وتدفع عن أوطانها كل أجنبي.” عبارة يستحضرها أحد أبطال الرواية على لسان الشيخ صالح العلي لتعزز عددا من المفاهيم التي أرادت “العلي” تمريرها والتأكيد عليها أهمها أن الأوطان لا يمكن ان تخضع للمساومات ولا ينبغي التفريق بين أبنائها باسم طائفة أو دين كما يحاول اليوم القيام به المتاجرون باسم الوطنية او الدين في حربهم على سورية الحبيبة.

عبارة أخرى استوقفتني أيضا:”كيف أستعين بالغريب على ابناء بلدي؟يبقى الوطن بأهله وناسه من كل ألوان الطيف التي تزيده جمالا وروعة…”هذه صورة الوطن كما صورتها الروائية…وطن “يوحدهم والثورة على المعتدين تجمعهم وتؤلف بين قلوبهم.”

تزخر الرواية أيضا بصور جمالية اكثر من ان تعد أو تحصى ووصف لبيئة الأمكنة الطبيعية سواء في “الخصيبة” او في الأرجنتين.

وكأن هذا “النبض” يأبى أن تفارقه نغمة شاردة تغرد خارج الاطار الذي أرادته له صاحبته.تآلفت جميع انغامه وتوحدت على حب الوطن الذي سيعود حرا أبيا جميلا بوجود أبناء يحفظون ذاكرته وذاكرة من أحتضنهم ترابه من ثوار وأحرار لم يركعوا او يستسلموا أو يسلموه لأحد. )

_____________________________________________

من ضمن ماقاله الشهيد القائد (ذو الفقار ) (مصطفى بدر الدين ) وهو زوج أخت الشهيد القائد (عماد مُغنية ) وخال الشهيد (جهاد عماد مُغنيّة ) :

(( لن أعودَ من سوريا، إلاّ شهيداً، أو مُنتصِراً ))

يقول السيد (حسن نصر الله ) أنّ هذهِ (النكبة ) أخطر بكثير من نكبة فلسطين عام 1948م

حين ألقى كلمة، بالأمس، الخميس الثاني عشر من أيار عام 2016م، بمناسبة (يوم الجريح  -جريح المقاومة ).

_____________________________________________________

Mohamad Adel)  التحية للادبية والكاتبة والمبدعة العربية فاطمه الصالح … كم يلزمنا من الوعي لنعيد بناء الجسور والاخوة والعزة ونؤمن … اننا بوحدتنا وعروبتنا نستطيع حماية بلادنا وكرامتنا .. هبوط الوعي وانحدار الثقافة والعولمة ادجى الى هذا المشهد العربي المحزن … … من غير سوريا مازال يتحدث عن العروبة والقومية والاخوة والنضال المشترك … من كتب ومن اسس للامة منذ بدايات القرن الماضي … دفاعا عن العروبة والوحده وفلسطين التي هي جزء لا يتجزأ من بلاد الشام …اليست القدس طوال تاريخها العربي الاسلامي العاصمة الروحية والثقافية لبلاد الشام ..من اقرب المدن الى دمشق غير القدس … تحياتنا وتقديرنا لكل الاوفياء للكلمه الملتزمة بوحدة الامة ومستفبلها ..)

___________________________________________________

(( – عندما تزوّج، أخبرَ زوجتهُ أنه لن يعيش طويلاً.. وأنه لن يكمل ال…. عاماً…. وخيّرَها بالموافقة، أو الرفض.. واختارته.

منذ عدّة أيام، استُشهِدَ في (حقل الشاعر ) قبل أن يكملَ عامهُ ال….

– كانَ بكاؤها صامتاً… دموعٌ تقهرُ.. بدون عويل..

– هو أوصاها بذلك..

– ألله يقهر اللي قهرنا.

-آمين.)

وكان قد أخبرَ أهلهُ وأصدقاءهُ ومُحبيه، بذلك.

الشهيد البطل المؤمن الشريف الحُرّ المقدام.. (…….. ) الأسماء لاتهمّ كثيراً..

لهُ 3 أبناء.

رحمكَ الله تعالى…………………….

( إنا لله. وإنا إليهِ راجعون ))

من صفحتي على الفيسبوك السبت7/5/2016م

_____________________________________________________

صباح الخير، يا أمي..

الساعة تشير إلى التاسعة وخمس دقائق، من صباح يوم الجمعة الثالث عشر من شهر أيار عام 2016، الموافق ل         رجب، هجرية.

صباح هذا اليوم، استُشهِدَ أحد قادة المقاومة الوطنية اللبنانية، قرب مطار دمشق الدولي، والشهيد هوَ (الحاج مصطفى بدر الدين ) أو (ذو الفقار ) وهو من مواليد قرية (الغْبَيري ) في لبنان، وهو قائد الجناح العسكري لحزب الله، وصهر الشهيد القائد (الحاج عماد مُغنيّة ) وخال الشهيد البطل (جهاد عماد مُغنيّة ).

رحمهم الله تعالى، أجمعين.

________________

أبي الغالي.. ألله يصبّحك بالخير..

لاتبرح صورتُكَ ذهني، بوجهكَ الصلب، ونظراتكَ الثاقبة، عينيكَ الباحثتين عن مدىً لا محدود، مدى من الرقيّ الروحيّ، والسموّ المعنوي.. على مبدأ (فلا نزلتْ عليّ، ولا بأرضي.. سَحائبُ ليسَ تنتظِمُ البلادَ )..

( فاطمة

سخرية مُرّة…………… آخ ياوطن..!! بتعرف أخي..!! مرة كنت احكي ع الهاتف مع ( الهيئة العامة السورية للكتاب).. بخصوص روايتي الثالثة… ولن أطيل الحديث.. المهم.. استأذن مني (رئيسها) لحظة.. وأثناء هذه اللحظة.. كنت أسمع (صلاةً وتكبيراً) مُرعِبَين….!!!! وعند انتهاء (صَلاتهم تلك) عادَ وأجابني على الهاتف…!! وكانت أول مرة أسمع فيها صلاةً مُرعِبة… ففي

ثقافتي وأثناء صلاتي.. وكلٌّ يصلّي لربّه بالطريقة التي يقتنع بها.. كنتُ أردّد ( ألا وبذكْرِ اللهِ تطمئنّ القلوب )..

( وطني الأغلى………………….

لم أبعكَ، يوماً.. ولن أبيعَكَ، باسمِ طائفةٍ، أو دينٍ، أو مذهب، أو باسم حزبِ ما، أو انتماءٍ ما.. سوى لأرضكَ الطاهرة.. ولشرفائكَ ، إخوتي وأخواتي، أبنائي وبناتي.. أمي وأبي وأخي وأختي وعمي وعمتي وأجدادي وجدّاتي، الذين ضحوا وكافحوا واستبسَلوا من أجل أن يحيوا فيكَ بعزةٍ وكرامة.. إلى جانبِ إخوتهم في الوطن………………

وطني……………………..

أنا أنتمي إلى ( الدّينُ لله.. والوطنُ للجميع ) جميعِ أبنائهِ الشرفاءِ الأوفياء…

ديني، هو الإستقامة

.. والدفاعُ عن نفسي وأهلي وعِرضي وكرامتي.. وعن كلّ مستضعفٍ أستطيع الدفاع عنه، وصون كرامته، بما أقدر عليه من قوة وطاقة ومالٍ وجاه.. وقلمٍ وباقي الأسلحة…

وطني…………………….

عافاكَ الله يا وطني……………………

معاً… لنبني سوريا التي نحب.. كما نحب……………..

حُماةَ الأرضِ والعِرضِ والكرامة….. عليكم ألف تحيةٍ وسلام… في أيّ موقعٍ كنتم..

أيها الشرفاء الأوفياء…)

( وطني الأغلى………………

عليك السلام…………………

منحتكَ صوتي، ياوطني…………………….

كما وعدتكَ……………..

وأنا الوفية لعهدِ الله…………………..

كنتُ، ومازلتُ، وسوف أبقى……………..

المواطنة العربية السورية، التي تفخر بنسَبها، وبجذورها الضاربة العمق في تاريخ هذه الأرض الطاهرة……………………….

( يا وطني…………….. عداكَ ذم…………….. مثلكَ مَن يرعى الذمَم………….. علّمتنا، كيف الشمَم…… وكيف يظفرُ الألم………………. )

( حماةَ الديارَ عليكم سلام.

وألف سلام..

أنا لا أتقاضى أيّ قرشٍ على ما أقوم به من واجبي، تجاه وطني الأغلى… ولاااااااا أريد على ذلكَ أجراً ولا شكورا…… لكن…… رجااااااااااءً يا وزارة الثقافة… ويا إتحاد الكتاب العرب ( الذي أنا عضو مشارك فيه ) ولي الفخر… رجاااااااااءً… انشروا لي كتُبي… فهذا حَقي.

____________________________________________________

( عااااااااااااااااااااااااااااااجل_______________

من عدرا

أسماء بعض من تواطئ مع الإرهابين في المدينة العمالية وقام بالدلالة على منازل المواطنين واﻵن يحملون السلاح ويشاركون الإرهابيين جرائمهم.

1- وليد حوراني

2- راكان الحمصي

3- سامر علوان

4- آل الأغبر

5- أبو عبدو الدوماني وأولاده (بائع خضرة)

6- حمزة معمرجي )

______________________________________________

كما أسلفت، بعد عودتنا من المغرب بعامَين، حصلتُ على الشهادة الثانوية الفرع الأدبي، لأول مرة. كنتُ أتناول المهدئات، ومضادات الكآبة، ومضادات تشنج الجهاز الهضمي، والخافضة لحموضة المعدة، قبل أن أنزل مع زوجي بالبيك آب، التي استأجرها، إلى أمام (ثانوية الكرامة ) في طرطوس، حيث ينتظرني مع صاحب السيارة (يوسف القنزوحة ). أدخل الباحة، وأصعد إلى الطابق الثالث، أدخل القاعة، أجلس على المقعد المثبّت عليه اسمي، ورقم بطاقتي. لأول مرة منذ 12 عام، لم أجلس على مقعد دراسيّ.. أعاني من اضطراب جسمي ونفسي، لدرَجة أنّني لعدّةِ دقائق، لم أستطع تثبيتَ يديَ اليُمنى لتُمسِكَ بأصابعها القلم، وتكتب، لو، حتى، اسمي، فقط، على ورقةِ الإمتحان.. واستعنتُ على تثبيتِها باليدِ اليُسرى، بعدَ أن توجّهتُ بروحي إلى السماء، أستجدي القوّةَ الخالقة، أللهَ تعالى، أن يُعينني، دون كلام، بالروحِ المُستجديةِ الضعيفة، وبعضُ الدموعِ تحرقُ خدّيَ المُتعَب، يا أللـــــــــــــــــــه… سبحانك…. أنتَ تعرفُ ما أريد، وتعرفُ مابي، فساعِدني، أرجوك.. يا ذا القوّةِ المُطلَقة.. يا أرحَمَ الراحِمين.

هَمَسَت لي إحدى المُراقِبات، أن أنظرَ إلى ورقةِ الإمتحان، فقط، وألاّ أتكلّم.. حَوّلتُ وجهي عنِ النافذة، ابتسمتُ بأسى، لو تعلمينَ ماذا كنتُ أقولُ، أيتها الآنسة، ومع مَن أتكلّم..!!

شعرتُ أنّ إلهَ الرحمةِ استجابَ لي، وأعانَني، فكتبتُ اسمي، وبعضَ ما أعرفُ من إجابات على بعضِ الأسئلة، وقلتُ في نفسي: يكفي ماكتبتُ الآن، وفي العام القادم، سأكتب كلّ ما أعرفه، وما سأعرفه.. لم أكن أظنّ أنني سأنجح، ولم يكنْ النجاحُ حُلمي هذا العام، بل كان عامَ تجربةِ العودةِ إلى مقاعِدِ الدراسةِ، حُلُمي الأزليّ، منذُ تركتُ المدرسة بقصدِ الزواج قبل أن أكملَ السابعةَ عشرةَ من عمري..

وعندما أخرج، نركب السيارة ونعودُ إلى القرية، وفي الطريق، يسألني كيفَ كان الإمتحان، ويناقشني فيما أخبره أنني كتبته.. وهَو صاحب فكرةِ أن أتقدّمَ للإمتحان، هذهِ السنة، فقط للتجربة التعوّدِ على جَوِّ الإمتحان.. بعدها أدرسُ أكثر، مُستفيدةً من تجاربِ هذا العام، أتقدّمُ في السنة الثانية، أو أكثر، حتى أتمكّنَ من الحصولِ على الشهادة، التي كانت حُلمي الأوّل الذي قُطِفَ عن غصنِ شجرةِ الأحلام الباسقة. لكنني نجحت.

ونِلتُ مئةً وخمسة عشرعلامة، منها ستّ عشرة في مادّةِ / التربية الإسلامية/ وهي المادة التي قرأتُ منها دروساً أكثر من بقية المواد..!! واستغربَ الناس.. وفرحَ زوجي وأهلي والمخلصين من الأصدقاء والمعارف، ارتفعَت معنوياتي بشكلٍ كبير، إلى درجةِ أنني قلتُ أنّ هذا النجاح المُعجزة، فعلَ بي مافعلتهُ حربُ تشرينَ التحريريةُ بنا وبالوطن الأغلى والمخلصين في العالم كلّه.

في نفسِ العام، في وقتٍ قريب، جاءنا خبرُ وفاةِ جَدّي لأمي في الغربة، فكان الناسُ يأتونَ إلى بيتِ أهلي للتعزية بوفاةِ جدي (الشيخ سليمان صالح ) وللتهنئة بنجاحي..

قرأتُ في الفلسفة، التي كنتُ أهواها وأفهمها جداً، دون أن أدرسها سابقاً في المدرسة، لأنني لم أدرس الصفّ الحادي عشر، قرأتُ أنّ ما حصَلَ معي في /أغادير/ هو (من أخطاءِ الذاكرة) يحدثُ مع الكثير من الناس، وليسَ مَرَضاً، بل هو أمرٌ طبيعيٌّ جداً.. فتبَدّدَ خوفي، وتحوّلَ إلى مَعرِفة.

تضاعفتْ آلامي النفسية والجسدية، إلى حَدٍّ كبير، بعد وفاةِ أخي الغالي، عام 1986م.. كما تضاعفتْ آلامُ العائلة كلِّها، والأقارب، والمعارف.. (اسماعيل صالح، رَخّصَ الموت ) كانتْ هذهِ العِبارة تتكرّر، وبقيت، إلى وقتٍ طويل..

وفي تلك السنوات العصيبة، قرّرتُ الحصولَ على الشهادةِ الثانوية، للمرةِ الثانية، لكن.. بتعَبي، هذهِ المَرّة، ودون الإعتمادِ على أحد.. وكانتْ لي كلُّ المُبَرِّرات.. فاشتريتُ كتُباً من مستودعِ الكتُب المَدرسية، كانت تنقصني، وبدأتُ التحضيرَ لذلك.. في الكثير من المَرّات، كنتُ أهربُ من المنزلِ، وأجلسُ في ظلِّ شجرةِ التوتِ الكبيرة، التي كانت لبيت خالتي، وطالما دَعَتنا خالتي لأن نطلعَ إلى الضهر، ونحن صغاراً، لنأكلَ من حَبِّها الأبيضِ اللذيذ، قبل أن يقطعوها، ليطعِموا أوراقها للدّواب.. أصطحِبُ معي إبريقَ ماءٍ، ودواءً مُهَدِّئاً، وآخرَ مُضادّاً للتشنّجِ، ومُضادّاً لحموضةِ المَعِدة، وبعضَ الكتبِ، والدفاترِ، والأقلام، والمناديل الورقية.. أشهَقُ، أشهقُ، وأشهق.. تغسلني الدموع.. وأتّجِهُ نحوَ السماءِ، مُستجديةً رحمتَها (ياعالماً بحالي، عَليكَ إتكالي ).. أستفيدُ ممّا قرأتُهُ في أحدِ أعدادِ (مجلة المرأة العربية ) عن تمارين اليوغا، والتأمُّل، والتفكير بالأشياءِ الجميلة التي تريحُ نفسي.. فأتأمّلُ الطريقَ المُحَصّى، والمُترِب، الذي يصعدُ من قربِ النهرِ، إلى قريتي الغالية (المريقب) وأتصوّرُ أنّ فلاّحاً بسيطاً طيّباً، أنهى عملهُ في الحراثةِ، للتّوّ، وحَمَلَ (النيرَ) على كتفهِ، وساقَ دابّتيّ الحراثةِ أمامهُ، وراحَ يملأ الوادي بال (أووووف )، وترَدِّدُ الجبالُ والتلالَ مَوّالَهُ الدافئ، الذي يساهمُ بالتخفيفِ من تعبه، وأتحسّسُ الراحةَ التي يحسُّ بها، وأعيشُ البساطةَ التي يعيشُها، حتى ولو لدقائقَ معدودة، لكنها كانت كفيلةً بأن تمنحَني قدراً من الإسترخاء، فأتنفّسُ بعُمقِ، عدّةَ مرّات، وأستعينُ بالله، وأبدأ القراءةَ، أدعَمُها بالكتابة، لترسخَ في ذهني، أكثر.. وهكذا..

اتصَلتُ بأخي الغالية (آمال ) التي تصغرني بأكثرَ من عامين، إلى بيتِ أهلي، محاوِلةً أن أبدو طبيعيةً، وأنا أخبرُها أنني سوف لن أنزلَ معها إلى طرطوس، ولن أقدِّمَ للشهادة، وهي التي كانت قد اصطحبتْ طفليها، بمرافقةِ زوجها الغالي (حسن ) إلى القرية، بغرضِ اصطحابي إلى بيتهم، لأستريحَ يومَين، قبل موعد الإمتحان، وأبقى عندهم إلى نهايته.. وما إن سألتني الغالية، باستنكارٍ، عن السبب، حتى لم أعدْ أتمالكُ نفسي من النحيب، حتى كدتُ أسقطُ أرضاً.. لم أكن بحاجةٍ لأخبرَها عَمّا دَهاني، لأنها تتوقّعُ، كالعادة.. فنهَرَتني، وشتمتني، على هذا القرار المُستنكَر.. وعادتْ واتصَلتْ بي لتقولَ لي : جَهّزي نفسَكِ، سنستأجرُ سيّارةً، ونطلعَ إلى منزلكِ لاصطحابكِ معنا.. وعندما أخبرتُها بصوتٍ يجرح، أنني غيرُ قادرة على التقديم، قالت لي : لا عليكِ، اصطحِبي كتُبَكِ، ولا تتقدّمي.. ففعلت….

–           فاطمة.. ابنتي..! إنكِ تكرّرين هذه الأحداث في هذه الرواية..

–           لاعليه يا أمي..

–           فليكن.

_____________________________________________________

هل أعودُ للتحدّثِ عنِ المغرب..؟!

في السنة الأولى من الإعارة، عندما كنا مازلنا نسكن ذلك البيت الصغير في (تلّبُرْجت )

كان هناك رجل فقير يجعل من مكبّ القمامة القريب من منزلنا، مكان إقامة له، ينشر عدداً من رقع القماش على عدة أعواد قائمة وأفقية، وينام تحتها، ثم يقوم ويبحث في القمامة عن لقمة طعام، ويعود إلى خيمته..

ومرة، قُرِع الباب بقوة، عدة طرقات، أخافتني، وزوجي في عمله في (المركز التربوي الجهوي).. جيراننا المغاربة الذين يشاركوننا المدخل الرئيسي غير موجودين.. خفق قلبي بعنف، وبدأت أرتجف كلما قوي الطرق وازداد إلحاحه.. لكنني جمعت كل مالدي من طاقة، ووقفت خلف الباب أصرخ بعنف: من أنت.؟ وماذا تريد.؟؟ وجاءني صوت شاب يتكلم المغربية يستجديني أن أطعمه ( الماكلة ) فهو جائع جداً.. فتحتُ الباب برعبٍ وقوة، ونهرته: اذهب، وإلاً ناديتُ (راجلي ) الذي في الداخل، وسوف يقتلك إن بقيت… لكن إلحاحه بطلب (الماكلة ) ومنظره البائس، جعلاني أغلق الباب وأطلب منه أن يبقى إلى أن آتيه بالطعام.. سقيته كأسين من الحليب، كنت للتو غليته، بعد أن اشتريناه من البائع الجوال، وبسرعة بالغة ازدرد الحليب، وراح يدعو لي.. ناولته تفاحة وطلبت منه المغادرة بسرعة.. فراح يعدو بجسده الهزيل.. أغلقت الباب الخارجي والداخلي، والألم والخوف يعتصران قلبي..

استعان زوجي بمعارفه من السوريين الآخرين الذين أمضوا عدة سنوات في أغادير، وعثروا لنا على منزل جديد في حارة مازالت قيد الإنشاء.. ( بيت الزياتي) حيث سكنا فيه مع أسرة سورية لم نستطع التأقلم معها، لكننا مجبرين، خصوصاً أنني كنت أعاني من عدم الشعور بالأمان، والخوف من العزلة.. فاضطررنا للبقاء في ذلك المنزل إلى أن غادرنا المغرب بعد انتهاء العام الدراسي الأول، وبعد وفاة ( أبو صالح ) رحمه الله..

بعد فترة قصيرة من سكننا في ذلك المنزل، تعرّفنا –صُدفةً – على (خديجة) امرأة متوسّطة القامة، متوسّطة الجمال، سمراء ناعمة مبتسمة دائماًـ وَدودة.. لا أعرف كيف زارَتنا في أحدِ الأيام، أو أنها زارتْ بيت الزّيَاتي.. قالتْ أنها تسكنُ مع زوجِها وأختهِ في بيتِ قريبٍ من بيتِنا، استأجَروهُ منذُ وقتٍ قريب، وأنهم من (الجزائر)، وحَكَتْ، بأسى، أنّ السلطات الجزائرية أبعَدَتهم عن وطنهم الجزائر من سنوات، فاستَقرّوا في (فرنسا) إلى أن جاؤوا إلى (المغرب) على إثرِ مَقتَلِ أخيها، هناك.. حزنتُ عليها على هذا المصير المحزن لعائلة جزائرية، وللجزائرِ مكانةٌ رفيعةٌ عندنا.. سألتُها – مُستغرِبةً – لماذا طرَدوهم من بلادهم..؟! فأجابَتْ إجابة مُبهَمَة، أو أنني لم أفهم عليها.. ومَنِ الذي قتَلَ أخاها في فرنسا..؟! ولماذا..؟! وكانتِ الإجابةُ غير مَفهومة، أيضاً..

حَدّثتُها كيف أننا تشرّبنا، مع الحليب، حُبّ الجزائر، وشعبِها المناضِل ضدَّ الإستعمار الفرنسيّ البغيض، وكيف كنا، ومازلنا، نتغنّى ببطولاتِ ثوّارِها، وعلى رأسهم (جميلة بوحَيرد) ونردّد نشيدها الوطني، والأناشيد التي تمجّدها، وأعربتُ أنا وزوجي عن سرورِنا بتعرّفنا على إخوة لنا من الجزائرِ الشقيقة.. وبادَلَتنا المَشاعر.. وفي المرةِ القادمة، أو المَرّات القادمات، أحضرتْ معها أختَ زوجِها، وفي كلّ زيارة، كانتا تدعواننا لزيارتهم في بيتهمُ المُجاوِر، وإلاّ سيزعلون.. وفي صباح أحدِ الأيام، كان زوجي يستعِدُّ للذهابِ إلى عَمَلِهِ في (المركز التربوي الجِهَوي)، فبكيتُ، وأخبرتُهُ أنني أمَلّ في غيابهِ، فطلبَ مني أن أسَلّي نفسي.. وشَجّعَني على زيارةِ (خديجة) و (مَليكة) الجزائريّتين اللتينِ دَعتاني أكثر من مرّة، وبإلحاح، لأن أتبادَل معهما الزيارات.. فوافقتُ، متحَمّسة.. وبعدَ مغادَرَتِهِ، لبستُ فستاني البُنّي الطويل، المُوَشّى بالأسوَدِ، والعَسَليّ الفاتِح، الذي خاطتهُ لي الغالية عمتي (نَدِّة) عندما كنتُ أتهيّأ للسفرِ مع زوجي إلى المغرب.. تنّورتُهُ الواسعة (دوبل كْلوش) تصلُ إلى مافوقَ الكاحِلِ بقليل، صَدرُهُ وظهرُهُ على قَدِّ جسمي، وكُمّاهُ قصيران.. قماشُهُ مَرِنٌ، وناعِم، مُريحٌ جداً.. غالباً ما كنتُ ألبسهُ في البيت، وفي الزيارات القريبة.. وكنتُ قد أرسلتُ فاطمة بنت الزيّاتي، لتخبرهم أنني سأزورهم. كانت (مليكة ) سمراء ناعمة الملامح، بعكسِ (خديجة) التي لها شاربانِ وذقنٌ طويلة، وشَعرُ ساقَيها يبدو، عندما ترفعُ الجَلاّبيةَ قليلاً، أسودَ وطويل، يثيرُ الإشمئزاز.. كم ضحكنا أنا والمرأةُ السوريةُ عليها، لأنها لا تستعملُ (السّكّر)..!! كأنها رَجُل.. أو، مُخَنّثة..!!

وقبلَ أن أطرقَ البابَ، كانت (مَليكة) تستقبلني بحَفاوَةٍ بالغةٍ، أمامه، وكأنها غيرُ مُصَدِّقة.. على الباب، كان يقفُ شابٌّ طويلٌ جميل، فاتح البشرة، لهُ ذقنٌ سوداء طويلة، نوعاً ما، يفتحُ ساعِدَيهِ على جانبيّ البابِ الخارجيّ.. أسبَلَهما بتأنٍّ عندما دخلتُ مع (زوجته) بعدَ أن سَلّمَ عليّ مُرَحِّباً، باشّاً.. أدخَلَتني زوجته غرفةً في الجهة اليسرى من صَحنِ الدار، غرفة ضيّقة.. استقبَلتني (خديجة) أمامها، بحَفاوةٍ، أيضاً.. فاجأني منظرُ (قالب كاتّو) من عدّةِ طَبَقات، مُزَيّن بشكلٍ جميلٍ، وبعض الشموعِ، وزجاجات ال(كوكا كولا) و ال( الفانتا) وال (بيبسي)، وكؤوسٌ كبيرةٌ مليئةٌ، حولَ القالبِ، الذي يتربّعُ فوقَ صينيةٍ منَ الفضّةِ المُزخرَفة، على طاولةٍ خشبيةٍ قصيرةِ الأرجل، مُخصّصة للقعدة العربية، التي لا يخلو منها بيتٌ هناك، ومذياعٌ يَصدَحُ، بأغنيةٍ مَغربيةٍ رائعة، كنتُ قد سمعتُها سابقاً.. لم أفهم منها سوى (ألله ياتيكَ بالصبر..!!)..

تحَسّستُ (الساروت) في جيبي.. تأكّدتُ أنهُ معي.. تهيّأتُ للمُغادَرةِ في أيةِ لحظةٍ غريبة، وقلبي يطرقُ بقوّةٍ، يكادُ يخترقُ صَدري.. لكنني تماسَكتُ، ولم أبدِ أيةَ إشارةٍ تدلّ على أنني خائفة، أو مُستغرِبة.. جلستُ بينَ المرأتينِ حولَ الطاولة، فوق السجّادة (الزّربيّة)، تفصلني عنِ الرجُلِ مساحةُ الطاولة.. كانَ يجلسُ قليلاً، ثمّ يقوم.. يخرجُ إلى صحنِ الدارِ، ثمّ يعودُ، ويقفُ بالبابِ، مُفسِحاً ساعِدَيهِ، حتى تلامِسَ راحتاهُ يمينَ ويسارَ البابِ المفتوحِ على مِصراعَيه.. ازدادَت مخاوِفي من غرابةِ ما يحصل، و (ألله ياتيكَ بالصبر..) تعلو.. وتعلو، وتُغرِقُ المَنزلَ بالألحانِ الضاجّةِ.. ورأسي مليئٌ بالضجيجِ الذي أخشى أن تُترجمَهُ حرَكاتُ جَسَدي، أو مَلامِحُ وَجهي.. طَمأنني، أنّ (بيت الزّيّاتي) يعرفونَ أنني أزورُ ذلكَ المنزل.. كان (أحمد) يبدو على غيرِ مايُرام، أو أنهُ ينتظرُ شيئاً ما، لكنّ وَجهَهُ وحَرَكاتَهُ كانت تزدادُ غموضاً بالنسبةِ لي،  وتزيدُني خوفاً ورَهبة.. ناوَلتني إحداهُما كأسيَ المليءِ بالكولا، أو الفانطا البرتقالية.. أخبَرتُها أنّ معِدتي تؤلمني جداً، وأنني مَمنوعة من تناوُلِ المَشروباتِ الغازيّة.. قطَعَتْ لي قطعةً من الكاتّو الفاخر.. تمَنّعتُ عن تناوُلِها، بنفسِ الحجّة.. و – كي لاتشعر أنني لا أريدُ طعامَها أو شرابها، تناوَلتُ لقمةً صغيرةً منَ القطعةِ التي أكَلَتْ منها (مَليكة) لقمةً، واعتذَرتُ عن ما عَداها.. كانتا تُصِرّانِ عليّ بتناوُلِ الطعامِ والشرابِ، وأنا أرفضُ مُبتسِمةً شاكِرة، وفي داخِلي بركانٌ يغلي، وزلزالٌ يهزُّ كَياني.. كلُّ ما في المَكانِ ليسَ عفوياً.. كيفَ يُصَبُّ المَشروبُ الغازيُّ في الكؤوسِ، قبلَ وُصولِ الضَّيفة..؟!؟! ولماذا يبدو الرّجُلُ شِبهَ صامِتٍ، لكنهُ يروحُ، ويجيءُ، ويقفُ بالبابِ قليلاً، ثمّ يُعاوِدُ الكَرَّة..؟؟!!

كانَ ذهني مُستنفَراً حتى آخرِ ذَرّةٍ من ذَرّاتِه.. وكلّ مَعارِفي استحضَرتُها في لحظةٍ واحدة.. كلّ ذكائي.. وخالِصَ توَجُّهي إلى القوّةِ الخالِقة، واستِعانَتي بها، أن تنقِذَني من هذهِ الوَرطة..

قفزتْ إلى ذهني فكرةٌ ذكيةٌ، عندما دَعَتني المرأتانِ لأخرجَ معهما إلى صحنِ الدارِ، ثمّ أدخلُ معهما غرفتهما لتُرِياني إياها.. كدتُ أسقطُ مَغشيّاً عليّ، وأنا أحاوِلُ التماسُكَ، و (الإبتسامةُ ) المُصطنَعةُ تكادُ لاتفارقُ وَجهي، وقلبي يخرجُ من صَدري، دونَ استئذان.. لم أفكِّرْ بغيرِ سُبُلِ السلامة.. طُرُقِ الخروجِ من ذلكَ المأزَقِ الذي تأكّدَ لي ماكنتُ أظنهُ، عندما أدخَلتني المرأتانِ (غرفتَهما) بشيءٍ من الإلحاح.. يدي تتشبّثُ بالمفتاح.. وذهني يعمل بأقصى طاقته.. رأيتُ فرشةً سميكةً واسِعةً مفروشةً على بلاط الغرفة، وخزانةً لها مرآةٌ، تصلُ من أعلى أحدِ أبوابِها من الخارِج، حتى أسفله.. رأيتُ صورتي معكسوسةً فيها، وحوليَ المرأتانِ.. وبسرعةٍ بالغةٍ، أخذَتا تدهنانِ وَجهي بالماكياج.. انقطَعَ نفَسي.. لكنَّ الفكرةَ كانتْ قدِ استوَتْ في ذهني، ورَحمةُ اللهِ تدارَكَتني في آخِرِ لحظة.. شَهَقتُ، وأنا مُبتسِمة، ويدي تُخرِجُ المفتاحَ من جيبي، وتتمَسّكُ بهِ بقوّةِ الحياة.. صِحتُ : (السّاروت)..!!!!

–           مابهِ الساروت..؟!

–           هذا مَوعِدُ قدومِ زوجي من عملهِ، وليسَ مَعَهُ (ساروت)..!!

حاوَلتْ إحداهُما تناوُلَهُ مني، بحجّةِ أنها ستُعطيهِ إياهُ بنفسِها، على أن أبقى.. والأخرى تُكمِلُ ماكياجي.. لكنني أسرَعتُ، ومازلتُ أبتَسِم، لأخرجَ من الباب الخارجيِّ باندِفاعٍ بالغٍ، وأنا ألتفِتُ نحوَهُما وأومئُ لهما أنني عائدة فورَ أن أناوِلَ زوجي المفتاح.. سَلَكتُ البابَ الخارِجيّ خافِضةً رأسي، كي لاتعيقني يدُ الرّجُلِ المُمتدّةُ فوقَ المَدخل.. وأسرَعتُ كأنني أخرجُ من سجنٍ قاتِلٍ، وأنا أشيرُ لهما أن : لحظة.. سأعودُ حالاً….!!

فتحتُ بابَ دارِنا، وأغلقتُهُ خَلفي، وصَعَدتُ دَرَجَ (بيت الزّيّاتي).. وعند ثاني دَرجةٍ، نادَيتُ (فاطمة) : أسرِعي، إنني مَريضة..

-شْباك..؟! استفسَرَتِ الصبية..

رَجَوتُها، ونفسي يكادُ ينقطع، أن تقفِلَ البابَ بالسّاروت، وألاّ تفتَحَ لأحَد، حتى لو كانت (مَليكة) أو غيرها..

لا أعرفُ كيفَ استطعتُ صعودَ باقي الدّرَجات، والوصول إلى أمّها الجالسة على مقعدٍ مُريحٍ في فسحةِ دارِهم.. ارتَمَيتُ في حضنِ (حليمة) وأنا أطلبُ منها أن تُخفيني عنِ الأنظار، وأنني تعرّضتُ لشيءٍ مُرعِبٍ، أثناءَ زيارَتي لأولئكَ الجيران (الجزائريين).. ببُرودَةِ دَمٍ.. أو، ربما بدونِ فَهمٍ، تلَقّتِ المرأةُ وُضعي، وحَديثيَ الباكي، وابنتُها تتضاحَكُ بمُيوعةِ مُراهِقةٍ مُدَلَّلَة.. بكيتُ.. بكيتُ.. بكيت.. وتناوَلتُ حَبّةَ دواءٍ مُضادّةٍ للقلَق، أحضرتُها معي من أطباءِ وطني (سورية) الغالية، لأتناوَلَها عندَ الحاجة..

طُرِقَ البابُ عِدّةَ طرقاتٍ قوية، رَجَوتُ (فَدْنَة) ألاّ تفتح.. إنها (مَليكَة).. أرجوكِ.. إنها تريدُني.. وأنا مَريضة، أكادُ أسقطُ منَ الخوفِ والرُّعبِ، وتوتّرِ الأعصاب..

وعندما تكرّرَ الطَّرْقُ مَرّاتٍ عديدة، نزلتْ لتفتحَ الباب.. ومن كثرةِ إلحاحي عليها، وعلى أمها أن تقولَ للمرأةِ أنني مرضة، وأنني لن أخرج، وألاّ تعودَ وتطرُق البابَ لتطلبني.. فتَحَتِ الباب.. وبالفِعل، كانت (مَليكَة) تسأل عني، وتطلبني بحجّةِ أنني وَعَدتهم بالعودةِ فوراً.. كنتُ قد أخبَرتُ (حليمة) بما حدَث.. لاحَظتُ أنها تبتسم، دون أن تستغرب، أو تستنكِر.. أو.. ربما لم تفهم عليّ..!!

لم يَطُل غيابُ زوجي سوى قَرنٍ من الزمن.. تمَسّكتُ بهِ منذ دخولهِ، وانخرَطتُ بالعويل.. استغربَ ماجرى، ولم يكَدْ يصدّقُ أنّ أحداً بهذهِ الدّماسَةِ، يمكنُ أن يكونَ ماكِراً.. امتقَعَ وجهُهُ بشدّة.. وبالتأكيد، حارَ ماذا يفعل..

آآآآآآآآآآآآآآآآآآهٍ، منَ الغربة…………….!!!!

لا أظنّ أن (مليكة) كانت زوجة (أحمد) ولا أنّ (خديجة ) كانت أخته.. ولا، حتى، أنّ أسماءَهم حقيقية.. وأشكُّ في جنسيّتِهم، وبالتأكيد، في مَقتَلِ (أخيه) طبيعياً.. هذا إن كان له أخ.. ومقتول.. أو في قصة إبعادِهم، أو هَرَبهم من الجزائر، إلى فرنسا، ثم إلى أغادير.. أو.. أو..

كلّ ما أعرفهُ أنني اكتَسَبتُ دَرساً قاسياً جداً، لم أكُنْ أتصوّرُ أن يحدثَ معي مايُشابِهُه.. ولم أكنْ، حتى، متأكّدة أنهم كانوا يمارسون الدعارة، إلاّ عندما أكّدَ لي ذلكَ الطبيبُ النفسانيُّ السوريُّ، الذي كان قد تخرّجَ من بريطانيا مختصّاً بالتحليلِ النفسيّ، وافتَتَحَ، منذ مدة قريبة، عيادةً في (دمشق) قربَ البرلمان، خلفَ ساحَةِ المُواصَلات.. عندما عدنا على حسابنا إلى الوطن، بواسطة (البوينغ 737) السورية، عبرَ الوطنِ العربيّ، دون أن تنزل الطائرةُ في (مصر)، على أثر المقاطعة بين سورية الغالية، بقيادة الرئيس (حافظ الأسد) ومصرالشقيقة، بقيادة (أنور السادات) احتجاجاً على خيانته، وتوقيعهِ إتفاقية الذلّ الكبرى، بينهُ وبين الكيان الصهيونيّ الغاصِب، برعايةٍ أمريكية، عام 1979م، سُمِّيَت (اتفاقية كامب ديفيد)..

كُدتُ أقَبِّلُ تُرابَكَ، يا وطني الغالي، عندما نزلنا من الطائرة، في مطارِ دمشق الدّوليّ..

_________________________________________________

عندما كانتِ الطائرةُ (البوينغ 747) أو (الجامبو) تحَلِّقُ بنا فوقَ البحر، وفوقَ الغيمِ، في أولِ رحلةٍ لنا بالطائرة، مُتّجهةً إلى (المَغرِب) .. كنتُ أكتبً في الهواءِ، بسَبّابَتي اليُمنى  (أنا أحبكَ.. فوقَ الغيمِ أكتبُها..) وأنظرُ، ضاحِكَةً، إلى زوجي، عن يساري.. وأيضاً، عندما كنا نلهو على شاطئ المحيطِ الأطلسيّ، كنتُ أكتبُ له، عدّةَ مرات، فوقَ الماء (أنا أحبكَ.. فوقَ الماءِ أكتبُها..).. كنا ننزلُ من بيتِنا المُستأجَر، إلى شاطئ المحيط الأطلسي، أغلب الأيام،، ونلعبُ بالرملِ الواسعِ الشاسِع.. شاطئ أغاديرآيةٌ بالجَمال، تمرّ فوقَ رملِهِ، كلّ يومٍ، أكثر من مَرّةٍ، آليّةٌ ضخمة، تغربلهُ، وتنظّفهُ من أيةِ شائبة.. حتى أننا كنا نسيرُ فوقهُ، ونركضُ حُفاةً، مثل الكثيرين والكثيرات، دون خوفٍ ولا وَجَلٍ، من أن تجرَحَ أقدامَنا زجاجةُ ويسكي، أو /فانتا/ أو غيرًها، كَسَرَها أحدُ السكارى، أو العابثين.. نتسابَقُ ونحن نحملُ أحذيتَنا، ونرفعُ بناطيلَنا.. بينما السوّاحُ والسائحاتُ الأجانب، يمشونَ، ويركضونَ بلباسِ البحرِ، المؤلّفِ من قطعةٍ، أو قِطعتين.. وفي السنةِ الأخيرة 1979- 1980م، كنا نرى السائحاتِ يستلقينَ على الرملِ الدافئِ، دون سوتيان، وأغلبهنّ عجائز.. تسترخي العجوزُ، مُفسِحةً ساقيها، باسترخاءٍ تامّ، بينما يقومُ عجوزٌ، قد يكونُ زوجها، أو صديقها، بتمسيدِ جسمِها، كَمَسّاجٍ دافئ.. وهناكَ صبايا وشَباب يفعلنَ ذلكَ، أيضاً..

وقعَ خبرُ مَرَضِ (أبو صالح) الأخ الأكبر لزوجي، ثَمّ، وفاتهِ، رحمهُ الله، وقعَ علينا كالصاعقة.. وبعدَ انتهاءِ السنةِ الدراسية الأولى، عُدنا إلى الوطنِ على حسابنا الخاصّ، بالطائرة السورية (بوينغ 737) عَبرَ أجواءِ الوطن العربيّ.. كانت رحلةً مُريحةً جداً، والطيرانُ السوريّ مشهورٌ بجودَتِهِ، على مستوى العالم.. لم نشعر بأيّ اهتزازٍ، أو ارتجاجٍ في الطائرة، طوال ساعاتِ الطيران، ولم تخفقْ قلوبُنا منَ (المَطبّاتِ الهوائية)، وقد تبدّلَ القبطانُ في مطارِ (تونس)، وأثناءَ إقلاعِ الطائرةِ، نظرتُ من النافذة، فرأيتُ جزءاً من الكرةِ الأرضيةِ، بشكلٍ عموديٍّ، على يسارِنا، وكأننا نطيرُ خارجَ نطاقِها.. قفزتْ روحي من الخوف، وتشبّثتُ بزوجي الذي كان يُطمئنني.. ويبدو أنّ الطائرة كانت تناوِرُ في إقلاعِها، وتميلُ بجانحَيها، قبلَ أن تستوي في الجوّ، فوقَ السحابِ، وتتابعُ الرحلة، هدأتْ روحي قليلاً، فرحتُ أغني وأنا أشاهدُ الأراضي التونسيةَ الساحرة، مبسوطةٍ تحتنا (تونس، أيا خضرا.. يا حارقة الأكباد.. غزلانك البَيضا.. تصعب على الصيّاد.. ).. لاطفني المُضيفُ الطويلُ الوسيم، وتبادلنا أطراف الحديثِ، وهو يقفُ أمامَ بابِ التواليت، ويقولُ لي أنّ المُضيفةَ تسوّي ماكياجَها في الداخل، استعداداً للهبوطِ، وبعدَ قليل، خرجتِ المُضيفةُ في حِلّةٍ بَهيّة، فدخلتُ لأقضي حاجَتي.. ( لم ننزل في مطار القاهرة، وحتى لم نمر في أجواء مصر..

بدَتْ جزيرةُ (قبرص) من تحتنا، كأنها خارطةٌ ملوّنةٌ ومُجَسّمة.. كادتْ دموعي تسيلُ، وأنا أحمدُ اللهَ على أننا اقترَبنا من الوطن الغالي.. رأينا (بيروت) لوحةً تتراقصُ فيها الأنوارُ الملوّنة، قبلَ أن تهبطَ بنا الطائرةُ، بكلِّ هدوءٍ، وإتقان، في مطارِ دمشق الدّوليّ.. لم أصدّق نفسي، عندما قال لي زوجي أننا صِرنا في (دمشق).. آآآآآآآآآآآآه، يا وطني، ما أجملكَ، وما أبهاك..!! آه.. كم أحسّ بالدفءِ، والأمانِ في أحضانك..!! كلُّ ذرّةٍ من ترابكَ، هي قريتي (المريقب).. كلُّ شخصٍ فيكَ، هو أخي، وأختي.. أبي، وأمي.. عمي، وعمتي.. جاري، وجارتي.. وابنُ وطني الأغلى..

تمنيتُ أن أقبّلَ ترابكَ، يا وطني، عندما نزلتُ من الطائرة، كنني اكتفيتُ بأن أثبّتَ قدميّ فوقَ أرضكَ الطيبة، لأتأكّدَ أنني لستُ حالِمة.. انحَنيتُ، والتقطتُ حفنةً من ترابك.. أدنَيتُها من فمي، ولعقتُ بعضَ ذرّاتِها، وشممتُ أريجَها، كأنني أشمُّ فستانَ أمي..

______________________________________________

في (أغادير) تعرّفتُ على سيدةٍ جميلةٍ، ومحترَمة، هي (زينب الزّيّاتي) أخت صاحب البيت الذي استأجرناه.. موظّفة في (العَمالة) أيّ (المُحافظة).. لديها ولَدٌ، وبنت.. كانت تصطحبني في سيّارتها الحمراء إلى منتزهاتٍ، وأماكنَ جميلة.. كنتُ أشعرُ معها بالإطمئنان.. صحيحٌ أننا نتفاهَمُ بصعوبة، نتيجةَ اختلافِ اللهجتين (العربية) و (البربرية) المُطعّمة بالعربيةِ، والفرنسية.. لكنّ حبّها لي، وحبّ ولَديها، كانَ ظاهراً، واحترامها لي، أيضاً.. أحبَبتُ (زينب)، بابتسامَتِها الوقورةِ، المُحِبة، ولم أكنْ أشعرُ معها بالغربة، حتى عندما دَعَتني إلى بيتِها في أطراف (أغادير) وأطعَمَتني، على الغداء، عِدّةَ طبخات مغربية، منها الرزّ بالسكّر، المَطهوّ على البُخار.. لم تكنْ حَبّات الرزّ ناضجة جيداً، لكنني لم أعلّق على ذلك، بل، تناوَلتُ معهم الطعامَ بسعادة.. وبعدها، قادَتْ سيّارَتها، واصطحَبَتني مع وَلَدَيها إلى بعضِ الغاباتِ الساحرة.. أعطيتُها، ونحن في الطريق، شريطيّ كاسيت، أحدهما يحوي مجموعة أغاني لمُطربتنا المُفضّلة (فيروز) كانت أختي الغالية (آمال) قد أهدتني إياهما، قبلَ سفرنا.. لم أستطعْ أن أُفهِمَ الغالية (زينب) أنني أعطيتها لها لتسمَعها، فقط، وتعيدها لي.. فقد شكرَتني، وأخذتها، ظانّةً أنها هدية..!!

ومرّةً، دعتني لأحضرَ معها حفلَ زفافٍ شعبيّ، كانتْ قد دُعِيَتْ إليه، فلم أتردّد.. لكنني خفتُ الظلمةَ، التي تتخلّلها أنوارٌ شحيحة، في ذلكَ المنزلِ الغريب.. كانتِ النسوةُ ترتدينَ اللباسَ البربريّ الشعبيّ الجميل، والمزركش بألوانٍ فاقِعة، وتتزيّنّ بالحليّ الشعبية، من أقراطٍ، وعقودٍ، وأساور، يُصَفّقنَ، ويغنينَ أغاني شعبية بربرية، لم أفهم منها، حتى كلمة واحدة، لكنّ الألحانَ كانت تُطرِبُني، وأحياناً أصفِّقُ معهنّ، لكنّ أصواتهنّ الحادّةَ ماتزالُ ترنّ في أذنيّ بشكلٍ يثيرُ الصداعَ على المدى الطويل…. هكذا صارتِ الأعراسُ في بلادي، في فتراتٍ لاحقة.. ضجيجٌ وصُراخ.. و.. و..و.. لم تعُد أعراساً عفويةً شعبيةً جميلة.. صِرنا نحاولُ تقليدَ الطبقاتِ الثريةَ في تبذيرِها، وتصنّعها للفرَح.. و.. للحديثِ مكانٌ آخر..

لم أكَدْ أصَدّق أنّ الإحتفالَ انتهى، حينما قامت (زينب) ودَعَتني إلى النهوض.. خرجنا.. واسترحتُ من الضجّة.. أقلّتني إلى بيتنا، وتابعتْ إلى بيتِها..

أحببتُكِ، ومازلتُ، وسأبقى أحبكِ يا زينب الغالية..

______________________________________________

كان الشاطئُ والغاباتُ الجميلةُ، هي مُتنزّهاتنا الأهَمّ.. وكنا، أحياناً، نذهبُ إلى حدائقِ بعضِ الفنادقِ الجميلة (فندق أطلس) مثلاً.. نجلسُ مُقابلَ المَسبحِ الدائريّ، نرى الزوّارَ والسّبّاحين، ونسعَدُ جداً بالمناظرِ والأجواءِ الجديدةِ، والجميلة، ونطلبُ كأساً منَ (الفانطا) أو (القهوة مع الحليب) و (كرواصون) بالشوكولا.. وحين نطلبها، نطلبُ (القهوة) وليسَ هناكَ شرابٌ اسمهُ القهوة، هناك، سوى (القهوة مع الحليب).. وندفعُ، فقط، ثمنَ ماشربناهُ، نقوداً زهيدة.. وحتى لو جلسنا أو تجوّلنا في حدائق الفنادق، دون أن نأكلَ، أو نشربَ شيئاً، نخرجُ دونَ أن ندفعَ قرشاً واحداً.. ومرّةً ذهبنا لنسهَرَ في أحدِ الفنادقِ الجميلةِ، الضخمة، والحديثة، قيلَ لنا أنها مُلكُ أخو المَلِكِ (الحَسَنِ الثاني).. جلسنا في قاعةٍ مليئةٍ بالمغاربة، والأجانبِ، أنوارُها هادئة، وحالمة.. الموسيقا، أيضاً، هادئة وساحرة.. رقَصَ زوجانِ مَغربيانِ حَديثانِ، رقصةً بديعةً، ولمدّةٍ طويلةٍ، أثارَ رقصهما إعجابَ، وحَماسةَ الجميع، بمن فيهم نحن.. صَفّقنا لهما مطوّلاً، وتمايَلنا معَ تمايُلِ بَطنِ المرأةِ الحاملِ، بنشوةٍ ومُتعة.. دَفعنا، فقط، ثمن مَشروبنا الغازيّ الذي احتسَيناه، وخرجنا سَعيدَينِ مُتجَدِّدَين، قادَ زوجي سيّارتنا ال (بيجو 204) ذات اللونِ الأبيض، وعُدنا إلى بيتِنا في (أنزكان) القريبة من (أكادير).. التي انتقلنا إليها في السنة الثالثة من الإعارة، والتي كانَ من المُفترَضِ أن تدومَ أربع سنوات، لكننا قطعناها، وعُدنا إلى سوريا، كما وَعَدني زوجي، عندما ألَحّ عليّ بضرورةِ العودةِ معهُ إلى المغرب، لمدةِ عامٍ دراسيّ إضافيٍّ واحد، علّنا نستطيعُ توفيرَ بعضِ المال، كي لا تكونَ إعارتهُ دونَ جدوى.. كنتُ أخبرهُ في رسائلي إليه، أنّ إجرةَ كلِّ جَلسَةِ تحليلٍ نفسيّ، خمسمئة ليرة سورية.. وأنني أدفعُ للمُعالجة وللسفر وشراء الثياب، والأدوية، كثيراً من المال، فكانَ يجيبني، أن اصرفي ماتريدين.. ولا تبخلي على نفسِكِ بأيّ شيءٍ ترغبين، واسحَبي ما تحتاجينَ من (المَصرفِ) الذي تلزمُ الدولةُ كلَّ مدرِّسٍ مُعارٍ، بتحويلٍ قسمٍ بسيطٍ من راتبهِ إليه.. ولم أكن أقصِّرُ بالصّرف.. ممّا فاجأ زوجي، عند عودتهِ، وأغاظَ أخاهُ، الذي أنّبَني بشدّةٍ على ذلك..!!

كانت (أنزكان) مدينةً صغيرةً، وقديمة، يكثرُ فيها تُجّارُ الذهَبِ، منَ اليهود، لكنّ ذهَبَ المغربِ مُختلفٌ عن الذهبِ في سوريا، من حيث الصياغةِ، و عيارِ الذهَبِ في القِطعة، الحُلية.. قطعهُ رقيقة، وعيارُهُ منخفض..

كنا، إذا مَرَرنا من أمامِ مَتجرٍ للقماشِ، في أنزكان، أو أغادير، يرحِّبُ بنا صاحبُهُ بالفرنسية، ويُحاوِلُ إغراءَنا بشراءِ بضاعتهِ، بقوله : ( ألِبْ.. ألِبْ ) ويعني أنها صناعةُ (حَلَب).. وإذا مَرَرنا من أمامِ مَتجَرٍ لبيعِ النحاسِ، أو الفضة، أو دخلناهُ لننتقي هدية، يحاوِلُ البائعُ إغراءنا بالشراء، بقولهِ باللغةِ الفرنسية : (داماس.. داماس..) ويعني أنّ النحاسَ والفضة، من صناعةٍ دِمَشقية.. فنضحك.. إنها بلادُنا.. تلازِمُنا حيثُ كنا..

في (أكادير) كان الكثير من المدرّسينَ السوريينَ المُعارين، وأغلبهم يصطحبُ عائلتَه، من حلب، ودمشق، والسلمية، وإدلب، واللاذقية، وطرطوس، ودرعا، وحمص، وغيرها.. ومنَ الفلسطينيّينَ الذينَ يقيمونَ في سوريا، أو في الأردن.. وعندما عادَ زوجي، بمفردهِ، في السنةِ الثانية، وتركَني لأتعالجَ من (الرَّضِّ النفسيّ)  الذي أصابَني عَقِبَ زواجيَ المُبْكِر.. استأجرَ بيتاً في (أغادير) مع مدرّسٍ سوريٍّ من اللاذقية، اسمهُ (سليمان… ) (أبو هِلال) واسمُ ابنهِ البكر، على اسمِ أخيهِ الذي استُشهِدَ أثناءَ خدمتهِ العسكرية في حربِ السادسِ من تشرين، عام 1973م.. ومدرِّسٍ فلسطينيّ مقيمٍ في سوريا، اسمهُ (عادِل مُحسِن)..

باقتراحٍ من طبيبٍ نفسيٍّ فرنسيٍّ، راجعتُهُ عِدّة مَرّات، في (أغادير)، بصُحبَةِ زوجي، الذي استدَلّ عليهِ من (الزيّاتي) صاحب بيتنا.. بصوتِهِ الهادئ، ووجهِهِ المُريح، كان يقول لي، أنّ الإنسانَ يُعاني، إذا كانَ خارجَ بَلَدِه.. وعندما أخبرتهُ أنّ معاناتي قديمة، اقترَحَ علينا مُراجعةَ طبيبٍ مختصٍّ بالتحليلِ النفسيّ، عندما نعودُ إلى الوطن.. كانَ المُمَرِّضُ الذي يُترجمُ للطبيبِ ما أقول، ويترجمُ لنا ما يقولهُ الطبيب، شابٌّ مَغربيٌّ، أسمرَ، وسيمٌ، وجَذاب، اسمُهُ (خْنَيْبيلا)، وهي كنيَتُهُ، على ما أظنّ.. لأنّ المَغاربة يبدؤون بنسبةِ الشخصِ، قبل اسمه.. مثلاً : (صالح فاطمة) بدل (فاطمة صالح).. وهكذا، على الطريقةِ الأجنبية.. أخبَرَني (خنيبيلا) أنّ الطبيبَ يقولُ لهُ أن يقولَ لي أنني جميلة جداً.. وأن هذا الجمالَ السوريّ غير موجود في فرنسا.. فابتسَمتُ، وربما فرِحت..

في دمشق، سألَ زوجي في عددٍ من الصيدليات، عن طبيبٍ مختصٍّ بالتحليلِ النفسي، وبعدَ جهدٍ طويل، استهدى إلى طبيبٍ متخرّجٍ حديثاً من بريطانيا، اسمهُ (أنطونيوس مَخّول).. كانَ لطيفاً جداً، وجِدّياً بالتعامُلِ معي.. سألني في أولِ زيارةٍ لي إلى عيادتهِ، قربَ البرلمان، خلف ساحةِ المواصَلات، بصُحبةِ زوجي الغالي، وأختيَ الأغلى (آمال)..

–           والآن، يافاطمة.. وبعد كلّ ما تعانين، هل تتوقّعين أنكِ ربما ستُشفين..؟!

أجَبتُهُ، والدموعُ تملأ روحي، ويسيلُ بعضُها من عينيّ :

–           نعم.. أعتقد أنني سأشفى..!!

نظرَ إليّ نظرةَ إعجابٍ واستغراب، وقال :

–           ما الذي يدعوكِ إلى الإعتقادِ بأنكِ ستُشفين..؟!

ازدادَ انهمارُ دموعي، وارتجافي، وارتفعَتْ شهقاتي، وأنا أجيبُه :

–           أولاً.. أنا أؤمِنُ بالعِلم.. وثانياً.. وثانياً، ماذا فعلتُ أنا للهِ، حتى لا يَشفيني..؟؟!!

ألقى من يدِهِ القلَمَ، فوقَ الدفترِ الذي كانَ يسجّلُ عليهِ شكوايَ، وقال بثقةٍ، وهو يتنهّدُ بعُمق :

–           بإذنِ الله، سوفَ تُشفين..

______________________________________________

قد يعجبك ايضا
Loading...