آخر الأخبار

حلب تسبق المدن السورية في إطلاق صفارة إعادة الإعمار… محافظ حلب : منح التسهيلات للإسراع في إعمار المدينة

فرق جوهري بين ما كانت عليه مدينة حلب قبل ثلاثة أعوام بعد إعلان تحريرها من الإرهاب، وما هي عليه اليوم وإن كان هناك الكثير من الغصات يرويها أهلها بحرقة لما آل اليه وضعها من جراء التدمير الكبير الممنهج الذي أعاد عاصمة البلاد الاقتصادية عقوداً إلى الوراء، وسط محاولات ناجحة للحلبيين بالتعاون مع الشركاء الحكوميين لتغيير واقعها المؤلم، فالانتظار حتى تعبئة الخزائن بالأموال لإطلاق صفارة إعادة إعمارها غير وارد في حساباتهم، إذ باشروا من خلال مبادرات وبرامج حيوية في ترميم المناطق والأسواق المتضررة بغية المساهمة في إرجاع مدينة الشهباء إلى عزها الاقتصادي وحيويتها المعروفة.

أيادٍ بيضاء
منذ لحظة الدخول إلى مدينة حلب والسير في شوارعها تظهر بوضوح مقدرة أهلها على صنع الحياة من رحم الموت، فقبل ثلاث سنوات كانت هذه الشوارع معتمة وموحشة يعتصر القلب لرؤيتها على هذه الهيئة بعد الضرر الكبير الذي طالها بسبب الإرهاب وسط حركة قليلة لأهلها بعدما عاشوه من ظروف صعبة ومؤلمة طالت كل بيت حلبي، لكن اليوم تغير هذا الواقع كلياً، فالحلبيون يملؤون الشوارع حركة ونشاطاً ليل نهار مع سعيهم الحثيث المتواصل للعمل والإنتاج لإعادة الحياة والنشاط التجاري والصناعي إلى مدينتهم التي كانت تعد «منكوبة» منذ سنوات قليلة، وسط الاهتمام بشكل المدينة من الخارج، عبر إيلاء إنارة الشوارع عناية خاصة بحيث صممت إنارتها على نحو عصري ولافت ميّز مدينة حلب عن غيرها من المدن مع الاهتمام الواضح أيضاً في نظافة الشوارع، وهنا لا ينكر أبداً دور الجهات المعنية في تحقيق هذه الخطوة المهمة إلا أن أيادي الحلبيين البيضاء كان لها الدور الأكبر في إنجازها وغيرها من خطوات ساهمت في إعمار بعض ما خربه الإرهاب، ومن الضروري الإشارة إلى أن مدينة حلب اتجهت إلى تطبيق الطاقات المتجددة في إنارة شوارعها وبيوتها، حيث بلغ عدد الأعمدة وأجهزة الإنارة المركبة بالطاقة البديلة 4402 جهاز إنارة في المدينة والريف، مع إنارة 47 مستديرة وساحة وتقاطعاً ونفقاً.
نقطة لافتة أخرى تميز مدينة حلب عن غيرها من المدن السورية عند السير في شوارعها تتمثل في التزام أصحاب «التكاسي» بأسعار معقولة وموحدة تقريباً بحيث يندر أن يخرج السائق عن التسعيرة إلا ما ندر أيضاً، وخاصة في ظل الاعتماد على هذه الوسيلة في حركة السير والتنقل، إذا يلحظ قلة وجود سرافيس النقل الصغيرة وحتى باصات النقل الداخلي، التي يبلغ عددها 19 خط نقل داخلي ضمن المدينة والريف.
ونسأل عدداً من سائقي التكاسي عن سبب تقاضيهم تسعيرة مخفضة ومنطقية مقارنة مع آخرين في المدن الأخرى قد تكون تسعيرتهم كيفية ومضاعفة، ليؤكد عدد منهم لـ«تشرين» أن التزام السائقين بتسعيرة محددة وعدم الخروج عنها يأتي نوعاً من التكافل الاجتماعي نظراً للأوضاع الصعبة التي يمر فيها أهل حلب بعد تضررهم البالغ من الإرهاب، لذا تعمل أغلبية السائقين حسب تعبيرهم بـ«نور الله» ريثما تفرج على الحلبيين وتتحسن ظروفهم المعيشية.
انضباط التجار
أسعار التكاسي المخفضة تنطبق إلى حد ما على أسعار المنتجات الأخرى سواء الغذائية أو الألبسة، حيث تباع هذه السلع بأسعار مقبولة قياساً بالمنتجات ذاتها في المحافظات الأخرى، وهو ما يرجعه رئيس غرفة تجارة حلب -محمد مجد الدباغ إلى انضباط التجار الحلبيين إلى حد كبير في تسعير منتجاتهم بغية المحافظة على انسياب السلع وتأمين تسويقها بأقل الأسعار، آخذين بالحسبان ظروف سكان حلب الصعبة لكون المعاناة على الجميع، مضيفاً أن غرفة تجارة حلب تطمح إلى عودة حلب إلى مكانتها الاقتصادية بأقرب وقت، مشيراً إلى دور الغرفة الإيجابي في كسر الحصار الاقتصادي الظالم عبر التدخل الإيجابي بطرح عدد من السلع الغذائية بأسعار دون المعدل ليرى الجميع أن أهالي حلب متكاتفون مع بعض لتحقيق الحياة الاجتماعية وتأمين مستلزمات هذه الحياة، لذا تحملت الغرفة مسؤولية هذا التدخل وبعض الأمور المالية كي تتمكن من شراء وتأمين احتياجات أسواق حلب.
تحسن ولكن ..!
تحسن واقع مدينة حلب الواضح ما بعد التحرير يرويه أهلها لـ«تشرين».. يقول المواطن بكري الصباغ: إن الوضع تحسّن كثيراً منذ ثلاث سنوات لناحية تأمين الخدمات المطلوبة للمعيشة فيما يتعلق بالكهرباء والمياه في معظم الأحياء لكن التحدي الأكبر في تحسن الواقع المعيشي للمواطن الحلبي كغيره من السوريين، وهذا يتحقق من خلال عودة الصناعة إلى سابق عهدها، فحين يحصل ذلك سينخفض سعر الصرف وتقوى الليرة وتباع المنتجات بأسعار أقل للمواطن.
طارق صالحة أحد تجار سوق ما وراء الجامع الأموي يبين أن واقع الخدمات للمنشآت والبيوت تحسن على نحو واضح لكن الإشكالية تكمن في تحسن الواقع التجاري في أسواق المدينة القديمة تحديداً، فاليوم أسواق منطقة ما وراء الجامع القريبة من منطقة السبع بحرات تعد منطقة تجارية استراتيجية لكن حتى الآن لم تولَ الاهتمام الكافي مع إن محافظة حلب تبذل كل ما في وسعها لتحسين الوضع إلا أن المشكلة عند الجهات الثانية كالكهرباء والبلديات، لناحية التعقيدات في منح رخص الترميم علماً أنه لم يتم تقديم أي دعم لتجار هذا السوق المهم أسوة ببعض الأسواق الأخرى، حيث قام أغلب التجار بترميم محلاتهم بأنفسهم، وكنتيجة لذلك لم يعد الآن أكثر من 13 محلاً للعمل من أصل 400 محل وخاصة في ظل عدم وجود أي تشجيع للعودة، حيث فرض على أصحاب المحلات دفع فواتير الكهرباء حتى خلال سنوات الحرب رغم أن السوق كان منطقة حرب والمحلات كانت مغلقة ولم تعمل خلال هذه المدة، لذا المطلوب اتخاذ إجراءات عاجلة لضمان عودة النشاط التجاري إلى هذه المنطقة التي تعد العمود الفقري للتجارة في حلب.
وهو أمر يؤكده محمد البيك تاجر في سوق الزهراوي القريب من الجامع الأموي أيضاً، حيث أكد أنه لم يتم تقديم الدعم المطلوب لتجار هذا السوق علماً أنه لا يقل أهمية عن سوق السقطية والخابية اللذين مُنِح تجارهما دعماً لعودة النشاط التجاري فيهما، لافتاً إلى أهمية عودة الحركة التجارية في هذا السوق ويتم تحريك عجلة التجارة في المدينة القديمة، بحيث يستطيع المتسوق شراء كامل احتياجاته من أسواقها، مشيراً إلى أن الوضع العام في المدينة تحسن على نحو واضح لكن هذا لا ينطبق على التجارة، التي كان واقعها قبل عامين أفضل والسبب يعود إلى اهتزازات الدولار التي تسببت في خسائر دائمة للتجار، مؤكداً ضرورة تقديم الدعم المطلوب لمدينة حلب، التي تتعرض لحرب غير واضحة ضدها، ففي حال عودة المنشآت الصناعية والتجارية إلى العمل سيضمن ذلك تحسين الواقع المعيشي للمواطن حتماً.
صابون الغار إلى الإنتاج
نتوجه إلى سوق باب الجنين الشهير، الذي تدل حركته التجارية النشطة نسبياً بعد فتح تجاره معظم محلاتهم وإقبال المواطنين على الشراء من منتجاته المختلفة على بداية رجوع العز التجاري إلى مدينة حلب وخاصة عند انتشار روائح صابون الغار الحلبي المعروف في السوق، وهنا يؤكد محمود قضماتي عودة أغلبية المنشآت المختصة في إنتاج صابون الغار باستثناء المنشآت في المناطق التي لم تعد إلى سيطرة الدولة السورية، مشيراً إلى أنه لا يقتصر في توزيع منتجاته على أحياء حلب وبعض المدن التي تعتمد على صابون الغار وليس الشامبو وإنما يصدر في الوقت الحالي إلى العراق الذي يعد السوق الأساس لمنتجاته.
تعاون مثمر
رحلة إعادة إعمار مدينة حلب التي انطلقت على نحو أسرع من المدن الأخرى رغم أنها كانت الأكثر تضرراً في ظل استهداف ممنهج لكونها عاصمة البلاد الاقتصادية، كانت ثمرة تعاون مثمر بين محافظة حلب ممثلة في محافظها، الذي يحظى بمحبة ودعم الحلبيين، وأهل المدينة الذين لم ينتظروا الدعم الحكومي للبدء في إعمار بيوتهم ومحالهم ومصانعهم التي طالتها يد الإرهاب مقدرين ظرف الدولة الصعبة ومحدودية مواردها وسط مطالبات بتقديم التسهيلات والدعم المطلوب ومنح الاعفاءات والرخص المطلوبة بالسرعة المطلوبة، وهو ما وعد به محافظ حلب- حسين دياب، الذي أكد منح كل التسهيلات المطلوبة للإسراع بإعمار مدينة حلب التي تحسنت على نحو واضح منذ إعلان تحريرها من الإرهاب وسط تحسن مستوى الخدمات والإنتاج في جميع القطاعات، حيث لفت إلى أن المشاريع الخدمية المنتهية وعلى كل الموازنات (استثمارية وإعادة إعمار ومستقلة) إضافة للمنظمات بلغت منذ تطهير أحياء حلب والريف حتى تاريخه 1504 مشروعات، إضافة إلى 266 مشروع منظمات.

تشرين

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.