آخر الأخبار

الخسائر الكبيرة والمتلاحقة تصيب مزارعي البيوت البلاستيكية وقد تدفعهم للخروج من هذه الزراعة

أغلب الناس لا تعرف إلا المنظر الخارجي للبيوت البلاستيكية، وتوافر المادة في غير مواسمها أما ظروف عمل أصحاب هذه البيوت ومدى المعاناة التي يعيشونها مع كل فصل فلا يعلم بها إلا من يعيشها!
فالبيوت البلاستيكية تحتاج -كي تنتج وتثمر- إلى عناية تشبه رعاية طفل صغير تخشى عليه من البرد والحر من الثلج والريح القوية، فعندما تتساقط الثلوج أو تنخفض درجات الحرارة يجب على أصحاب البيوت البلاستيكية أن يمضوا لياليهم وهم “ساهرون” يشعلون النار لتخفيف صقيع البرد عن النباتات المزروعة في الداخل، وإذا تحركت رياح قوية كما حصل مؤخراً سيتابعون مشاهد “شلخ” النايلون وهم عاجزون عن فعل أس شيء، وما عليهم سوى الدفع لترميم الأعطال، ولكي يستمر الموسم.
وعندما يصل الموسم إلى مرحلة الإنتاج تبدأ مشاكل التسويق: بغصة وحزن شديدين، يقول العم أبو يعرب: “إنّ زراعة البيوت البلاستكية لم تعد تطعم خبزاً.. تعب وشقاء وسهر طويل والمردود بالقروش، هذه الزراعة التي قلعنا لأجلها أشجار الحمضيات لتدر علينا ما نحتاجه من المال وتكون لنا ستراً لكنها باتت اليوم عبئاً”، وتابع أبو يعرب أنه مع بداية كل موسم يسخرون كل طاقاتهم هو وأولاده لزراعة صالات الزراعة المحمية التي بدأ العمل فيها منذ عقدين من الزمن، وفي كل موسم كانوا يأملون أن تعوض هذه الزراعة ولو جزءاً بسيطاً من أتعابهم وتمكنهم من العيش في بحبوبة ولكن في نهاية كل موسم “تبوء آمالنا بالفشل”!.
أمل مفقود
يضيق أبو يعرب أنه عندما بدأوا بالزراعة كانت الأمور أفضل من اليوم، ولكن حالياً تضاعف أسعار مستلزمات هذه الزراعة بشكل يفوق عوائدها.
يضاف لهذا عدم وجود أسواق لتصريف الإنتاج، وكذلك السماح باستيراد البندورة في ذروة الإنتاج من الأردن، وكل هذا يوقع المزارعين بخسائر محققة وكبيرة وعلى الرغم من المطالب الكثيرة والمتكررة عن طريق اتحاد الفلاحين والوحدات الإرشادية لإنفاذ مزارعي البيوت المحمية وإنصافهم من خلال إيجاد أسواق لتصريف الإنتاج بالسعر الذي ينصفه إلا أنه لا حياة لمن تنادي.
أما المزارع أصف من منطقة الخراب فيقول إنه يعمل هو وأسرته في زراعة البيوت البلاستيكية منذ سنوات والتي تشكل مصدر رزقه الوحيد، ويرى أن الأمور إلى أسوأ وخلال السنوات القادمة وبعد الارتفاع الجنوني لأسعار مستلزمات الانتاج يعتقد بأن الكثير من المزارعين لم يستطيعوا متابعة الزراعة وبالتالي خروج عدد كبير من مزارعي البيوت المحمية من الخطة الزراعية وهذا يعني خسارة كبيرة في الزراعة المحمية التي تعد السلة الغذائية الأساسية في الساحل السوري .
المزارع والصقيع
يستنفر مزارعوا الزراعات المحمية لاستقبال فصل الشتاء، الذي يشكل حالة قلق كبير لجهلهم بما سيؤول إليه الحال، خاصة في حال تعرض محصوله لأي كارثة طبيعية وقد تعود (خده على اللطم ) كما قال العم أبو يعرب من تنين بحري، صقيع أو رطوبة، وما إلى ذلك فهو يصل ليله بنهاره يسهر على محصوله يداريه كما يداري أولاده ويخاف عليهم من البرد فهذا المحصول سوف يكون مصدر عيشه لسنة كاملة لذلك يرصد المتنبئ الجوي بعناية، وعند انخفاض درجات الحرارة أول عمل يقوم به هو السهر طوال الليل ووضع برنامج مناوبات مع أهل بيته، فالمحصول بخطر ويضيف السيد منذر سلمان من سكان قرية حريصون موظف ويعمل بالزراعة المحمية أنه منذ الثمانينيات وفي الأيام الباردة والعاصفة أول ما يتأمله هو عدم انقطاع التيار الكهربائي، لأن انقطاعه في يوم صقيع يمثل كارثة حقيقية، لأنها ستؤدي الى تلف كامل للمحصول، ولأن أسباب انقطاع الكهرباء كثيرة يضعون كافة الاحتمالات، فقد تنقطع الكهرباء بسبب عطل أو ضغط على الشبكة فلا بد من البحث عن مولدة لدعم البئر الارتوازي، ونبدأ قبل أن تنخفض درجة الحرارة بتشغيل الري بالرذاذ على البيت البلاستيكي من الخارج لكي تتشكل طبقة من الجليد وبالتالي تشكل طبقة عازلة تحمي المحصول داخل البيت، إضافة إلى مهمة ثانية وهي صعبة للغاية وتكمن في الكشف عن “الفالات” وهي التي تسرب المياه أي على المزارع الصعود الى أعلى البيت البلاستيكي المغطى بالجليد وفي هذا خطورة كبيرة فأي حركة خاطئة تؤدي الى وقوع المزارع وإصابته بكسور وهذه تحدث بشكل متكرر إضافة الى معاناتنا الكبيرة من مياه الآبار الارتوازية غير النقية فهي مملوءة بالشوائب وبعض الآبار ملوثة بسبب عدم وجود شبكة للصرف الصحي في القرية حتى اليوم وهذا تحدي كبير أمام المزارع .
التعويض غير منصف
يتابع مزارعون أنهم قد يتعرضون لتنين يقلع البيت والشتول من جذورها إضافة إلى ما يتعرض له المحصول في هذا الموسم من عفونة نتيجة الرطوبة الزائدة على مدى أكثر من شهرين مما يؤدي إلى زيادة أمراض النبات وبالتالي انخفاض الإنتاج بشكل كبير. أما الرياح الشرقية فهي الأكثر خطراً، لأنها تضرب النايلون وتمزقه، وتسبب خسائر كبيرة تضاف إلى قائمة الخسائر التي يتعرض لها المزارع من كوارث يقف المزارعون عاجزون أمامها، ويرون أن تدخل صندوق التعويض عن الأضرار والكوارث في وزارة الزراعة غير منصف بالنسبة لمزارعي البلاستيك بسبب الشروط الموضوعة والتي لا تدعم المزارع ولا تحميه، وهي تحتاج إلى إعادة دراسة وتعديل لأن الآلية المطبقة حالياً يمكن وصفها بالخاطئة كما يقولون، ويتساءل المزارع لماذا تغيب الدولة عن تأمين مستلزمات الانتاج للمزارعين وذلك لحمايتهم من التجار الذين يحسبون ويبيعون بالدولار، وأن أغلب التجار يبيعون بسعر مرتفع بحجة أنه اشترى المستلزمات بسعر مرتفع لأن سعر الدولار مرتفع، وكل هذا يتم سراً ( لأن الحديث عن الدولار ممنوع ).
مشاكل إضافية
يضاف إلى كل ما سبق من صعوبات تقف في وجه استمرار الزراعة المحمية امتناع الكثير من الصيدليات الزراعية عن تمويل المزارع، وذلك منذ بدء الأزمة وحتى اليوم وهذا ساهم في ترك الكثيرين للعمل في هذه الزراعة، إضافة إلى ارتباط العديد من المزارعين بالسماسرة الذين يمولونهم، ولكن بالمقابل يأخذون الموسم بالسعر الذي يفرضونه ولا يعطون بدل الموسم إلا بعد أشهر وأغلبهم توقف عن التمويل إضافة الى أن المزارع فقد الثقة بالجهات المعنية التي تقف موقف المتفرج في كل موسم، وتجري الدراسات والزيارات الميدانية ولا نتائج على أرض الواقع.
أين إكثار البذار؟
وتساءل مزارعون أين مؤسسة اكثار البذار ولماذا لا تعمل على إنتاج بذار خاص بالزراعة المحمية ذات نوعية جيدة، وما هو دور البحوث العلمية في هذا المجال؟ ولماذا يستطيع التاجر مواكبة المزارع وتأمين احتياجاته، ولكن بأسعار مضاعفة وبذار غير مضمون النتائج؟
وكذلك تساءل البعض الآخر عن الرقابة الغائبة وعن أسباب ترك المزارع لقمة في يد التجار، ليشتري من السوق السوداء وخاصة بالنسبة لمستلزمات الانتاج؟ وأين الرقابة على المنتج والمصدر وأسواق الهال والصيدليات الزراعية؟ كما طالبوا بفتح أسواق داخلية وخارجية أسوة بالحمضيات، لأن استمرار كل هذه الظروف المحيطة بمزارعي الزراعات المحمية والخسائر المتلاحقة ستدفعهم إلى هجرة هذه الزراعة في الوقت الذي يجب أن تشكل فيه الزراعة العصب الأساسي للوصول إلى عملية التصنيع الزراعي بالتالي التصدير، وكل هذا سيشكل رافعة للاقتصاد الوطني، إلا أن مزارعون أكدوا أنهم ملوا الوعود والكلام، وأنه عندما تقع الكارثة يسارع المسؤولون مع الكاميرات لالتقاط الصور وإعطاء التصريحات والوعود وبعدها ينتهي كل شيء ويبقى المزارع ينتظر النتائج و( على الوعد يا كمون ) .
ارتفاع التكاليف
فرق كبير بين سعر كيلو الخضار المحمية في السوق، وبين تكاليف الإنتاج وهذا الفرق أوقع المزارع في خسائر كبيرة لا يمكن تعويضها والحل كما أجمع كل من التقيناهم ترك هذه الزراعة في حال استمر الوضع على ما هو عليه فكل مستلزمات الانتاج تضاعف سعرها عشرات المرات وفي دراسة قدمها لنا المزارعون حول تكلفة بيت بلاستيكي بطول /50/ م وعرض ما بين 8-8،5 م تبلغ احتياجاته /399/ ألف ليرة للأقواس و/227/ ألف ليرة للمدادات وهي تصل بين الأقواس وأوكر /21/ ألف ليرة ومستلزمات أخرى بقيمة /66/ ألف ليرة مع شاشيات توضع ببداية البيت بقيمة /24/ ألف ليرة دهان مع الأجرة /45/ ألف ليرة وتركيب الحديد مع التثبيت /57/ ألف ليرة شريط /12/ ألف ليرة واجمالي تكاليف الحديد /104/ ألاف ليرة يضاف اليها لوازم أخرى خراطيم وغيرها بقيمة 95/ ألف ليرة ويحتاج البيت إلى ربطة نايلون ونصف سعرها الحالي /265/ ألف ليرة و12/ ألف أجرة تركيب النايلون وهي تكفي لسنتين ليصبح اجمالي تكاليف انشاء بيت بلاستيكي على الهيكل مليون و/385/ ألف ليرة .
وبهذا تبلغ تكلفة إنتاج كيلو غرام من البندورة المحمية لهذا الموسم 2019-2020 يبلغ /213 ليرة يضاف إليها أجور النقل وعمولة سوق الهال التي وصلت إلى 10% من قيمة الفاتورة وأجرة السيارة وسطياً /7/ ألاف ليرة للنقلة الواحدة وبالتالي تصل تكلفة كيلو البندورة إلى /253/ ليرة وتكلفة كيلو غرام من الباذنجان تصل إلى /225/ ليرة وحتى يعيش المزارع عيشة كريمة ويستطيع الاستمرار بهذه الزراعة يجب أن يحصل على /400/ ليرة سعر الكيلو الواحد من البندورة لا أن يتحكم العرض والطلب وتجار سوق الهال وغيرها من العواملبسعر إنتاجه، ليصل سعر الكيلو في ذروة الانتاج إلى أقل من /100/ ليرة .

تشرين

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.